القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٧١

سيجدون هذا الأصل متمكناً بإفريقية لذلك وُجدت قرية المغيرين وقصرهم.

و إنَّ الغالبية المطلقة من القضاة في هذه الفترة، قد قبلوا الأجرة و تقاضوها ربما لسبب قلة ما في اليد(1) ولم يُثرِ أحدهم بالقضاء ولم يؤسس مجداً وإنَّما كانوا به يسدُّون رمقاً ويقضون مآربهم البسيطة فكانوا من طبقة العامة، إِلاَّ من شذَّ منهم وهم قلَّة.

وفي العهد الرستمي عُرف محكّم الهواري بانتمائه للبداوة وحذر منه الإمام أفلح بن عبد الوهاب جماعة الفقهاء الشراة لمَّا اقترحوه عليه قاضياً قائلاً لهم «ويحكم دعوتُم إِلى رجل كما وصفتم في ورعه ودينه ولكن هو رجل نشأ في بادية ولا يعرف لذي القدر قدره ولا لذي الشرف شرفه»(2) بل إنَّ محكّم الهواري نفسه حذَّر الشراة ومن رغب في استقضائه وقدَّم نصيحته وألحَّ في قبولها لأنّه رأى أنَّ الفارق كبير والهوة الاجتماعية بينه وبين أهل تيهرت ليست بالقريبة فهو بدوي من جبل الأوراس وهم حضر من العاصة تيهرت «فقال لهم إنَّ الحق مرٌّ أمرَّ من شرب الدواء و لايشرب الدواء إلاَّ كرهاً وأنتم مرفهون أبناء نعم، وغيري أحب إليكم مني وقد نصحتكم فاقبلوا نصيحتي … »(3).

إنَّ رفاهية تيهرت لم يمنعها من اختيار قاضيها من بداوة الأوراس لأنَّ المهم ليس هو الأصل الاجتماعي للقاضي و إنَّما هو مبلغ علمه ومستوى ورعه ودينه، فالقضاة على عهد الرستميين في العاصمة تيهرت أو في الأقاليم التابعة لها كلهم من الأصول الاجتماعية البدوية الريفية مزارعون وأبناء مزارعين، ولقد ذكر ابن الصغير أنَّ نفوسة كانت تلي عقد تقديم القضاة(4)

(1) - الكندي: قضاة مصر. 46، 59، 113.

(2) - ابن الصغير: أخبار 50.

(3) - نفسه 50 وانظر زغلول: تاريخ 2/ 339 - 340.

(4) - نفسه 54.

٢٧١ / ٧٤٣