الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٨٩وفي عام 129هـ/804م أي بعد سنة من إمامة إدريس الثاني، تفِد على الأدارسة وفود العرب من إفريقية والأندلس تذكر المصادر أنَّ ادريس الثاني سرّ بها سروراً كبيراً وقرَّبها إليه بخاصة وأنَّها وفَدت إليه في الوقت المناسب: صغر سنه وقلة تجربته من جهة، وصغر سن الإمامة التي هو بصدد إقامتها، فهي تحتاج إِلى مثل هذه الكفاء ات ومن هنا اتخذ منها بطانته، ونظم بها إدارة دولته، ويهمنا هنا أنَّه انتقى من ذلك الوفد قاضياً عربياً قيسياً هو عامر بن محمَّد بن سعيد القيسي(1)، فهل هذا الاختيار لهذا العربي للقضاء في المغرب الأقصى جاء على حساب البربر؟
أغلب المصادر تميل إِلى تأكيد السؤال المطروح إذ تقول «فسُرَّ إدريس - رضي الله عنه - بوفادتهم وأجزل صِلاتهم وقرّبهم ورفع منازلهم وجعلهم بطانته دون البربر فاعتز بهم فإنَّه كان فريداً بين البربر وليس معه عربي»(2).
ويقول الحلبي معلقاً على هذا النص «فسبحان من سدَّد الإمام إدريس بن إدريس بهذا التسديد النفيس … ولم يجنح خاطره إِلى تولية أحد من البرابر إذ ليس العرب كالعجم فبينهما الفرق كنار على علم»(3) أمَّا ابن خلدون فإنَّه يقول بِأَنَّ إدريس الثاني لمَّا جاءه العرب « … اختصهم دون البربر وكانوا له بطانة وحاشية واستفحل بهم سلطانه … »(4).
وعلى هذا المنوال يرى الأستاذ إبراهيم حركات بِأَنَّ إدريس الثاني لم يطمئن كثيراً إِلى البربر لذلك اتخذ من العرب بطانته و استقضى منهم(5)، ويذهب الدكتور
(1) - ابن أبي زرع: الأنيس 29. الجزنائي: جني زهر الآس 17 - 18.
(2) -ابن أبي زرع: الأنيس 29. الجزنائي: جني. 17 - 18. الحلبي: الدرُ النفيس 177. النصيري: الاستقصا 1/ 136.
(3) - الحلبي: الدرُ النفيس 275.
(4) - العبر 4/ 26.
(5) - إبراهيم حركات: المغرب عبر التاريخ. 1/ 114.