الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٠٤إليهم كان يرجع الناس في خصوماتهم وأفراحهم وأتراحهم من زواجٍ وطلاقٍ واعتداء ولصوصية وقتل وما إِلى ذلك من المواضيع التي يبت فيها القضاء. وهذا النوع من القضاء العرفي التلقائي إن صح التعبير(1)، يتولاّه من يجد في نفسه القدرة والكفاءة من الفقهاء، أو تُوليه جماعته المذهبية أو القبلية. واعتقد أنَّ هذا النوع من القضاء لا يزال ساري المفعول في كامل بلاد المغرب الإسلامي إِلى يومنا هذا، ولعلَّ بعض الفقهاء مثل ابن سحنون شددوا في عدم الإعتراف بأحكام هؤلاء «القضاة» حتَّى لا يترافع الناس إليهم، وحتَّى يُقصد القضاة الرَّسميون توحيداً للسلطة القضائية وخدمة لمصالحها وتوحيداً لكلمة الأمَّة …
المبحث الثالث: استقلالية القضاء
لقد حرص القضاة والمنظِّرون كلاهما على ضرورة استقلالية القضاء و القضاة، واعتبروا أي تدخل في شوؤن القضاء مساساً بمصداقيته وتعطيلاً لشرعية أحكامه.
إنَّ السلطة القضائية كانت منفصلة تماماً عن السلطة التنفيذية، وكان القاضي مستقلاً من الوجهة العملية عن الوالي أو الأمير أو الخليفة أو الإمام وذلك في تصريف شؤون القضاء(2)، وكان القاضي محصناً في كل الظروف، الأمر الذي يشير إِلى قوة بخاصة في التشريع الإسلامي، هذه القوة التي تحفظ استقلال القضاء باستمرار ومكانته «حتى في تلك الظروف التي يكون فيها جوانب من الضعف أو شيء من التهاون لدى بعض المسؤولين أوقات الهبوط»(3).
إنَّ القضاء الإسلامي عموماً ربما لاحظ الملاحظون، وبخاصة
(1) - Emile tyan: Histoire de L’oganisation.p34 - 40
(2) - مولوي: الإدارة العربيَّة. 102، عبد الرحمان علي الحجي: جوانب من الحضارة 60.
(3) - الحجي: نفسه. 60.