القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٠٨

رجل خصومة واستدار الحكم لها على خصمها، وكتب لها ابن أنعم قضية بحقها وختمه بخاتمه وأعطاه لها، فمضت به المرأة مسرورة إِلى يزيد لعلمها بمسرته هو الآخر فلمَّا دفعت الكتاب إليه أخذه يزيد وفض خاتمه وقرأه ثمَّ رده إليها فبكت المرأة وخافت أن لا ينفعها الحكم إذ فُضَّ خاتم القاضي، واعتقد الأمير يزيد بن حاتم أنَّ الأمر بسيط جداً يكفي أنَّه يوجه إِلى القاضي ويأمره بإعادة الختم لكنه يفاجأ بإباء القاضي ورفضه قائلاً «لا أختمه حتى تعيد المرأة البينة» فرده يزيد عليه ثانية ليختمه «فأبى» وقال «لا أفعل» فلمَّا ولّى رسول يزيد راجعاً أخذ عبد الرحمن خاتمه فكسَّره ودخل بيته وقال «أنا أسبقه إِلى العزل»(1) وفي رواية «والله لا أحكم بين اثنين أبدا»(2).

إنَّ القضية هي قضية فضِّ الخاتم لا غير وهي نوع من التدخل في شؤون القاضي، رفضها ابن زياد رفضاً قاطعاً وهي لا ترقى إِلى خطورة ما ذكره أبو العرب من أنَّ الأمير سأل قاضيه في حكم أن يحكم فيه بغير حق، وهذا النوع من التدخل السافر في القضاء لا أعتقد أن يكون موجوداً في هذه الفترة المبكرة من تاريخ القضاء ببلاد المغرب وبالتالي فإنَّ ما ذكره المالكي والرقيق وغيرهما من المؤرخين يكون هو الأصوب. ومن هنا فإنَّ تعيين ماتع بن عبد الرحمن الرعيني إنَّما هو ليختم حكماً كان القاضي من قبله قد ختمه وليس ليحكم بغير حق وهذا أخف ضررا و لا شك و أبعد من أن يكون تدخلاً في شؤون القضاء أو استنقاصاً لاستقلاليته، فعبد الرحمن بن زياد تسرَّع في الاستقالة وترك المنصب شاغراً يجب للوالي أن يعين له.

وينفرد الرقيق بذكر رواية عن تدخل الأمير روح بن حاتم (171 - 174هـ) في شأن من شؤون القاضي العلاء بن عقبة، وهي رواية تتطابق في كل تفاصيلها مع

(1) - المالكي: رياض 1/ 158 - 159، الرقيق: تاريخ 130.

(2) - الرقيق: تاريخ 130.

٣٠٨ / ٧٤٣