القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣١٠

الأجرة على القضاء(1)، ليس زهداً أو تعففا من الأموال فحسب ولا غَناء عنها و إنَّما هدفهم ومقصدهم هو البقاء مستقلين عن السلطة في أحكامهم(2)، بحيث لا تُمارس عليهم ضغوط بمنعهم من أجرتهم أو حبسها عنهم إلاَّ بقضاء مآربهم، وبالتالي فضل بعض القضاة الأقوياء رفض أجرة القضاء جملة وتفصيلاً وجعلِها في مقدمة الشروط لتولي المنصب الخطير.

و من الشروط التي ذكرها المؤرخون لبعض القضاة أنَّ القاضي أبا محرز في بداية عهد الأغالبة اشترط على الأمير زيادة اللّه الأوَّل «ألاّ يقبل من أحد من أقاربه أو حشمه أو من يلوذ به وكيلاً»(3) واشترط سحنون بن سعيد شروطاً كثيرة قبلها منه الأمير محمَّد بن الأغلب كلها فلم يجد سحنون مهربا من القضاء بعدها و يقول عن ذلك « … لم أكن أرى قبول هذا الأمر حتَّى كان من الأمير معينان، أحدهما أعطاني كلَّ ما طلبت، وأطلق يدي في كل ما رغبت، حتَّى أنّي قلت له أبدأ بأهل بيتك وقرابتك وأعوانك فإنّ قِبَلَهم ظلامات للنّاس وأموالا لهم منذ زمن طويل … فقال لي نعم، لا تبدأ إلاّ بهم، وأجر الحق على مفرق رأسي، فقلت له الله فقال لي الله ثلاثاً. وجاءني من عزمه مع هذا ما يخاف المرء معه على نفسه … ولم أجد لنفسي سعة في ردِّه»(4).

لقد اشترط سحنون شروطاً تكاد تكون مجحفة في حقّ السلطة التنفيذية حتَّى أنَّ الأستاذ هوبكنز رأى أنَّ استقلال القاضي تمثل في سحنون «ففضلاً عن أنَّه أبى أن يأخذ أجراً، لم يُبد أي خوف من الأمير … الذي كان صنائعه يلقون الجفاء من جانب سحنون … وإنّ ابن الأغلب كان بوده لو استطاع التخلُّص من سحنون لو تسنَّى له ذلك … »(5).

(1) - انظر المبحث الثالث من الفصل الأوّل من الباب الثاني.

(2) - هوبكنز: النظم.217، نوال تركي: التنظيمات 186، علي أحمد: القضاء في المغرب والأندلس 36.

(3) - المالكي: رياض 1/ 396.

(4) - عياض: تراجم 100.

(5) - هوبكنز: النظم. 218.

٣١٠ / ٧٤٣