القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣١١

ويبدو لي أنَّ القاضي محكّم الهواري قاضي تيهرت كان مثل سحنون شدة، على الإمام أفلح بن عبد الوهَّاب لمَّا اقترحه الشراة عليه فقال لهم محذراً وخائفاً «ويحكم دعوتم إلى رجل كما وصفتم في ورعه ودينه ولكن هو رجل نشأ في بادية ولا يعرف لذي القدر قدره ولا لذي الشرف شرفه … »(1).

إنَّ ابن عبد الوهاب يريد من القاضي أن يحترم ذوي القدر والشرف ولكن القاضي محكّم الهواري بدأ بهم فأعطى الحق لرجل عامي على حساب أخ لأفلح وسوّاه في مجلسه بخصمه ولم يقل أفلح شيئا لمَّا اشتكى إليه أخوه وإنّما أخبره بأنّه قد أعلمه بهذا من قبل. فمحكّم الهواري بدوي لا يحترم أصحاب الجاه، و يجري الحق على الراعي والرعية بالسوية دون مراعاة لمميزاتهم. ولو كان القضاء غير مستقل لظهر في هذه القضية بالذات عندما كانت سلطة الإمام قوية وسطوة أفلح نافذة فيأمر القاضي بجعل الحق في أخيه على حساب خصمه ولكن أفلح أبعد من أن يتجرأ على هذا الباطل وقاضيه محكَّم أحكم وأقوى من أن يقبل تدخلا من أحد في أحكامه.

وممَّا يروى في هذا المجال ويدل على استقلالية القضاء الأغلبي أنَّ رجلاً من أهل القيروان تخاصم مع رجل يُعنى به علي بن حميد الوزير في دار من دور مدينة القيروان بالسماط الأعظم، عند القاضي أحمد بن أبي محرز فحكم بعقلها حتى يفصل فيها فطبعها على الرجل الذي كان يعنى به علي بن حميد، فمضى ذلك الرجل إِلى علي الوزير فأخبره فأمر بحل الطابع، فلمَّا علم القاضي بفعل الوزير ثارت ثائرته وضم ديوانه ومضى إِلى داره وأخذ سجل ولايته ومضى إِلى القصر القديم وقت قائلة الأمير زيادة الله الأوَّل ولم

(1) - ابن الصغير: أخبار. 49.

٣١١ / ٧٤٣