القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣١٦

أبا منصور إلياس وهو الفقيه أيضاً، ولكن بما أنَّ هناك القاضي ومن تعيين هذا الوالي نفسه فلا مجال لتدخُّله في شؤون مؤسسة القضاء رضي بذلك أم لم يرض. وتحديد تلك المسائل بالذات ينم عن استقلال القضاء عن الولاية في غيرها من المسائل، فلكلٍّ مجاله ولكلٍّ اختصاصاته.

ومع كلِّ هذا الوضوح في المواقف، فإنَّ عمروس بن فتح يقول الشماخي «نُزع من القضاء بغير حدث فطلبوه الرجوع فأبى والسبب أنَّ عبدا اشتكى مولاه فقال [له] اصطلح مع مولاك»(1) آثر القاضي عمروس دعوة العبد إِلى الصلح مع مولاه على أن يحكم له ضدَّ ذلك المولى وكان أبو المهاصر، أحد مشايخ الإباضية، حاضراً في ذلك المجلس فقال لعمروس «اعط له حقَّه من مولاه نزعك الله من ذلك المكان وردَّ فيه غيرك فنفذت دعوته»(2).

إنَّ رواية الشماخي المنقبية(3) تريد أن تذكر استجابة الله دعوة أحد المشايخ، لذلك كانت على حساب عمروس بن فتح القاضي العالم العادل الذي لم يخرج عن الحقِّ لمَّا طلب من العبد الصلح مع مولاه، فإن رضي العبد بذلك كان خيراً على الطرفين معاً، وإن أبى إِلاَّ حقَّه حكم له عمروس، ولا شك، بحقه، ومن هنا كان رفض عمروس الرجوع إِلى القضاء وإباؤه لمَّا طلب منه ذلك، فهل يمكن أن نقول إنَّ بعض القضاة قيِّدوا في استقلال قضائهم؟ لم تقيدهم السلطة التنفيذية المثمتلة في الوالي و إنَّما قيدتهم رقابة الفقهاء (الشراة) التي كانت أشد وطأً وأقسى!؟

(1) - سير الشماخي. 229 - 230.

(2) - نفسه 230.

(3) - هذه الرواية لا نجدها عند الدرجيني ولا عند الوسياني السابقَين على الشمَّاخي، ولم يذكر غير الشمّاخي، أنّ عمروس بن فتح عزل عن القضاء في حين أنّ المصادر الأخرى توحي أنّ عمروسا لمَّا مات مقتولا في معركة مانو سنة 283هـ/896م مات وهو قاض.

٣١٦ / ٧٤٣