الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٢٠ثانياً. ومن المعروف أنَّ هذا القاضي ظل في منصبه إِلى عهد الأغالبة وكان محترماً ذا هيبة بسبب اتصاله المباشر بالخليفة، ولكن بوفاته سنة 190هـ/806م انقطع تعيين الخلفاء لقضاة المغرب وتولَّى أمراء بني الأغلب هذا الأمر بأنفسهم، وقد استقلُّوا استقلالا شبه كليٍّ عن الخلافة، وما إبقاء إبراهيم بن الأغلب لابن غانم في القضاء إلاَّ سياسة واحتراماً للخليفة الذي كان قد عينه (عين ابن غانم) للقضاء قبل أن يعينه هو للإمارة وبالتالي فإنَّ ابن الأغلب احترم هذه البقية الباقية من عصر الولاة وصبر عليها صبراً جميلاً إذ امتد قضاؤه في العهد الأغلبي لست سنوات كاملة (184 - 190هـ/800 - 806م).
ولا نغادر عصر الولاة دون الإشارة إِلى القاضي عبد الرحمن بن رستم (140 - 145هـ/757 - 762م) الذي تولى قضاء القيروان بتعيين من الإمام أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري(1) الذي يعتبر بمثابة الخليفة عند الإباضية آنئذٍ، تولّى شؤون المغرب الإسلامي وأقام الدولة التي تعتبر عند الإباضية من أهم دولهم في المغرب قبل إمامة الرُّستميين سنة 160هـ/777م.
لقد كان تعيين القضاة بالقيروان، إذن، من مهام الخليفة في العصريين الأموي والعباسي، طيلة عهد الولاة، إلاَّ أنَّ هؤلاء الولاة شاركوا الخليفة في هذا التعيين بخاصة في أواخر هذا العهد الذي شهد الاضطرابات المتكررة ولعل بعد المسافة وصعوبة المواصلات بين القيروان وبغداد من أهم الأسباب التي جعلت الولاة يقومون بمهمة تعيين القضاة بالقيروان(2).
(1) - ابن الصغير: أخبار. 26 النويري: نهاية الأرب (المغرب) 227.
(2) - هوبكنز: النظم 208 Gaudefroy: Notes. p.114 بخلاف المغرب ظل الخلفاء العباسيون يعينون قضاة مصر إلى أن استولى عليها الفاطميون سنة 362هـ. الكندي: قضاة مصر. 155.