الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٢١والحقيقة أنَّ تعيين الولاة للقضاة بإفريقية في أواخر عهدهم إنَّما هو تطاول على الخلافة، أدَّى في نهاية المطاف إِلى استقلال إفريقية استقلالاً شبه مطلق، فما كان ذلك إلاَّ مرحلة تمهيدية ستتولّى فيه إفريقية شؤونها بنفسها تماماً مثلما هو الشأن بالمغربين الأوسط والأقصى إذ بِقيام الدول المستقلة سيتولّى أمراء وأيمة هذه الدول تعيينَ قضاة عواصمهم بأنفسهم(1).
أمَّا قضاة الأقاليم، فإنَّ الولاة بالدولة الرُّستمية هم الذين كانوا يتولّون المنصب في بداية عهد الإمامة وكان هؤلاء الولاة من تعيين الأئمة بتيهرت، ثمَّ أصبحوا هم الذين يعينون قضاة أقاليمهم(2) فيما بعد على أساس أنَّ المهمة من مهامهم تنازلوا عنها لكثرة مشاغلهم، ويبدو أنَّ الجماعة الإباضية فيما بعد معركة مانو 283هـ/896م بجبل نفوسة أصبحت هي التي تعين القاضي(3) في غياب الوالي والإمام ونجد مصطلح «الجماعة» وارداً في التراث الإباضي إذ يذكر الثميني الأصناف التي تعين القاضي فيقول هم «الإمام أو الجماعة أو من أذن له»(4)، فالإمام في مرحلة الظهور كدولة الرُّستميين، والجماعة في مرحلة الكتمان* و كلاهما بإذن لمن يريد من الولاة أو العلماء.
أمّا عند الأغالبة، فقد سبق أن رأينا أنَّ القاضي سحنون بن سعيد الذي كان بمثابة قاضي الجماعة بالأندلس أو قاضي القضاة ببغداد، هو الذي عين أوائل
(1) - ابن الصغير. 49، 77، 101، أبو العرب: طبقات 165، 167، 185، الدباغ: معالم 2/ 19،84،160،326، ابن أبي زرع: الأنيس 29، السنوسي: الدرر السنية.85 الحلبي: الدرُ النفيس: 177،270،. وانظر: نوال: التنظيمات. 177 - 178. chikh Bekri: Le Karijisme. p.70
(2) - الدرجيني: طبقات 2/ 321.
(3) - الدرجيني: طبقات 1/ 89،90، الشمَّاخي: سير، 244.
(4) - الثميني: الورد البسام. 5 - 6. وانظر المبحث الثاني من الفصل التمهيدي.
*- عن الظهور والكتمان انظر كتابنا: الدولة الرستمية: 79 - 80، جهلان عدون الفكر السياسي عند الاباضية.