الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٢٩لهم دواة فما فوق ذلك إلاّ حُشِر معهم»(1)، فمثل هذا الحديث وغيره(2) المتداول في تلك الأزمنة لا يشجع العلماء إطلاقاً على تولي أيَّ منصب إداري للحكَّام بخاصة إذا كان الحاكم جائراً، ولقد نفى ابن فرحون في تبصرته، ونقل عنه الطرابلسي في معينه والونشريسي في كتابه الولايات أن يكون معنى تلك الأحاديث يقصد به القاضي العادل فابن فرحون يرد قائلاً «إنَّ أكثر المؤلفين … بالغوا في الترهيب والتحذير من الدخول في ولاية القضاء وهذا غلط فاحش يجب الرجوع عنه والتوبة منه … »(3).
ولقد كانت ظاهرة رفض تولية القضاء بعامة(4) في المشرق والمغرب والأندلس، وعقد الخشني باباً في كتابه أسماه «باب من عرض عليه القضاء من أهل قرطبة فأبى من قبوله» فأتى بذكر عدد كبير منهم(5).
أمَّا في المغرب فإنَّ عمر بن عبد العزيز، رغم عدله، عزم على إبراهيم بن أبي عبلة أن يوليه القضاء فامتنع(6)، و يذكر النباهي أنَّ ممن عرض عليه القضاء في إفريقية فامتنع أبو ميسرة أحمد بن نزار لما عرض عليه قال «اللهم إنَّك تعلم أنِّي انقطعت إليك وأنا ابن ثماني عشرة سنة! فلا تمكنهم مني! فما جاء العصر إلاَّ وقد توفي»(7).
(1) - طبقات. 249.
(2) - كان الصوفية والزهاد وماأكثرهم في تلك الأزمنة في إفريقية بخاصَّة يسمون القضاة علماء الدنيا ويقولون «إنّ العلماء يحشرون في زمرة الأنبياء والقضاة يحشرون في زمرة السلاطين» انظر آدم متز: الحضارة الإِسلاَمِيَّة في القرن الرابع الهجري، تر. محمَّد عبد الهادي أبو ريدة، دار الكتاب العربي، بيروت، 1387هـ/1967م. 1/ 403.
(3) - ابن فرحون: تبصرة الحكام 1/ 8 - 9 الطربلسي: معين الحكام. 7، وانظر الونشريسي: كتاب الولايات. 41 عبد الخالق النواوي: العلاقات الدولية 219 - 220.
(4) - يرى الأستاذ فريد بن سليمان أنَّ ظاهرة الامتناع عن تولِّي القضاء تزامنت خاصَّة مع ظهور المذاهب الفقهية، وتفاقمت فيما بعد. انظر مقاله، القضاء والقضاة، ص131.
(5) - الخشني: قضاة قرطبة. 3 - 8 وانظر 11 - 21.
(6) - المالكي 1/ 399 - 400 وانظر ابن عبد ربه: العقد الفريد 1/ 22.
(7) - قضاة الأندلس. 16.