القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٣٤

القاضي ليلاً تبكي وتشتكي إلاَّ أنَّ القاضي لم يستطع القبض على المتَّهم. ولمَّا لم يصل إِلى إثبات الفعل عليه لعدم البيّنة بعد أن استعمل كل حيلة في الوقوف على حقيقة الأمر، قدَّم استعفاءه لأبي اليقظان دون أن يذكر السبب و ترك القضاء(1) بنوع من سوء الأدب مع الإمام الذي كان حليماً معه.

إنَّ القاضي، إذن، انعزل عن القضاء بسبب أنه فشل في قضية أخلاقية أحد أطرافها ابن للإمام أبي اليقظان، ويبدو التسرّع في اتخاذ القرار الصارم من قبل القاضي إذ لم يوضح القَضِيَّة للإمام واكتفى بالقول له لمَّا سأله عما اعتراه؟ «ما نقمت عليك شيئاً ولكن نقمت على بَنيك … خلَّيتَهم عالة على الناس»(2).

ويكشف ابن الصغير عن خيوط مؤامرة دبِّرت لهذا القاضي الذي كان له حاسدون، إذ «وافق ذلك سرورهم لحسدهم إياه وبغيهم عليه وأتوا أبا اليقظان فقالوا: أصلح الله الأمير، الرجل به حمق ولك في المسلمين من هو أنفع للمسلمين منه فلم يزالوا به حتَّى صرفوه عنه وولّوا القضاء رجلاً يقال له شعيب بن مدمان»(3). فالرواية إذن كما يقول الدكتور سعد زغلول عبد الحميد تشير إِلى «جانب سعي الحاسدين الذين أعربوا عن سرورهم عندما قال القاضي لهم "والله لا ولّيت له قضاء أبدا"»(4).

هكذا تعددت أسباب اعتزال واستقالة القضاة من مناصبهم كما تعددت أيضاً أسباب عزلهم وتنوَّعت، إذ لاَ بُدَّ من سبب لعزل القاضي، فلا يعقل عزله دون سبب وهذا عين ما أخبر به مستشارو الإمام عبد الوهاب جماعةَ البدو لمَّا جاؤوا إِلى الإمام يطلبونه عزل قاضيه لأنَّه جائر فقيل لهم «إنه لا يجب عزل قاض

(1) - الباروني: الأزهار 2/ 247 جودت عبد الكريم: العلاقات 54.

(2) - ابن الصغير: أخبار. 78.

(3) - نفسه 78.

(4) - تاريخ المغرب الإِسلاَمِي 2/ 367 هامش رقم 262.

٣٣٤ / ٧٤٣