الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٤٤لقد كان مسجد الجامع في عصر الولاة كله مكاناً للقضاء ولم يشر المؤرخون إلى مكان غيره عقد فيه القاضي مجلس قضائه، فأبو كريب عبد الرحمن بن كريب لما قبل القضاء يقول أبو العرب " … انطلق إلى المسجد ينظر فيما بين الناس … "(1)، فهذه الانطلاقة نحو المسجد توحي بأنه مقصد القضاة ومكان قضائهم ولا وجود لمكان آخر عندهم، فهي انطلاقة تلقائية عادية تعوّد عليها قضاة عصر الولاة.
وكان للقاضي يزيد بن الطفيل الذي تولى القضاء لفترتين إحداهما في عهد بني أمية، وثانيهما في عهد بني العباس، يأتي المسجد الجامع فيجلس فربما لا يأتيه أحد لقلة الخصومات في ذلك الزمان(2)، بل إن حماره تعوّد معرفة مكان المسجد من كثرة ما يأتيه يومياً، فكان يركبه ابن الطفيل القاضي ليوصله إلى المسجد ثم يطلق سراحه للعودة إلى منزله، فإذا كان وقت انصراف القاضي أسرج أهله الحمار وبعثوا به وحده إلى المسجد ثانية ليركبه القاضي عائداً به إلى منزله(3).
أما في إفريقية عصر الأغالبة، فقد ظلّ المسجد أهم وأوّل مكان للقضاء ، ففيه كان القاضي يعقد مجلسه خاصة الحنفية، فقد ظلوا يعقدون جلسات قضائهم في المسجد طيلة عهد الأغالبة لأنهم كانوا يرون أن المسجد هو المكان العمومي الوحيد الذي يمكن أن يصله كل الناس بدون مشقة(4)، وبالتالي فإنهم مالوا إلى عقد الجلسات القضائية العلنية، أما سحنون بن سعيد ومن جاء بعده من قضاة المالكية وهم الأغلبية، فإنهم فضلوا الجلسات السرية التي لا يحضرها إلا المعنيون بالأمر(5)،
(1) - أبو العرب: طبقات 218. انظر المالكي: رياض 1/ 169 - 170.
(2) - أبو العرب: طبقات، 105 - 106. الرقيق: تاريخ، 130.
(3) - أبو العرب: نفسه، 106، الرقيق: نفسه، 130، وانظر الجودي: تاريخ قضاة (مخ) ق2.
(4) - الطرابلسي: معين الحكام، 20.
(5) - هوبكنز: النظم، 216، نوال تركي: التنظيمات، 190.