القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٤٥

فسحنون بن سعيد (234 - 240ه‍/ 848 - 854م) بنى بيتاً بالجامع جعله للقضاء، واتبع سيرته قضاة المالكية من بعده(1).

لقد كان المسجد إذن، إلى حدود سنة 234ه‍/ 848م هو المقر الرسمي الوحيد لقضاة إفريقية في العصرين: الولاة والأغالبة، وبعد ذلك التاريخ امتنع قضاة المالكية من عقد جلساتهم في المسجد الجامع في حين استمر الحنفية يعقدونها فيه، فظلت الجلسات عند المالكية مغلقة خاصة، وعند الحنفية عامة.

إن القضاة: ابن غانم وأبا محرز وأسد بن الفرات كلهم وردت الأخبار(2) عنهم أنهم كانوا يجلسون في المسجد للاستماع إلى المتقاضين، وطبعاً كل هؤلاء وُلوا قبل الإمام سحنون. وجميل أن نشير هنا إلى ما انتبه إليه الخشني من أنّ "قضاة الجماعة(3) فيما سلف في دولة بني الأغلب إنما يجلس القاضي إذا كان من غير أهل القيروان بمدينة السلطان برقادة(4) "(5) وكان عيسى بن مسكين أحد هؤلاء لا ينزل إلى القيروان(6).

هل هذا يعني أنه يجد الإقامة هناك مهيأة له؟ ما دام القضاة من أصل قيرواني لهم مساكنهم الخاصة في المدينة؟ لا تشير مصادرنا إلى شيء ذي بال في هذا الخصوص.

(1) - الدباغ: معالم، 2/ 88. وانظر دار القضاء في هذا المبحث.

(2) - المالكي: رياض، 1/ 227، 277.

(3) - سبق أن ذكرنا أن قضاة القيروان لم يكونوا يعرفون بلقب معين وإنما هم قضاة لا غير. وإنما وظف هذا الخشني "قضاة الجماعة" اقتباساً مما كان في الأندلس ومما سوف يكون في المغرب بعد القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي. انظر المبحث الأول من الفصل الثاني من الباب الثاني.

(4) - مدينة رقادة العاصمة الثانية للأغالبة بنيت عام 263ه‍/ 876م بناها إبراهيم الثاني ابن أحمد بن الأغلب وهي غير بعيدة عن القيروان وظلت عاصمة لهم حتى هرب عنها زيادة الله الأخير. انظر البكري: المغرب 27، الحموي: معجم البلدان، 3/ 55، وانظر هوبكنز: النظم، 211.

(5) - الخشني، طبقات، 240.

(6) - عياض: تراجم، 242.

٣٤٥ / ٧٤٣