القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٤٦

أما عند الرستميين فإن أول ما بدؤوا به لمّا وضعوا أساس عاصمتهم تيهرت، هو المسجد الجامع، يذكر أبو زكرياء أن الإباضية "عمدوا إلى مكان فأصلحوه لصلاتهم فلمّا أرادوا أن يبنوها انتخبوا أربعة أمكنة واقترعوا عليها أيها يجعلون للمسجد الجامع، فوقعت قرعتهم على المكان الأول الذي أصلحوه للصلاة فبنوا المسجد الجامع"(1). وفي هذا المسجد بالذات جلس أول قضاة الرستميين وهو إمامهم عبد الرحمن بن رستم (160 - 171ه‍/777 - 787م) للقضاء يقول ابن الصغير " لما ولي عبد الرحمن بن رستم … شمّر مئزره وأحسن سيرته وجلس في مسجده للأرملة والضعيف ولا يخاف في الله لومة لائم"(2). إن المسجد هو أول مكان للقضاء عند الرستميين، فلم يشذوا عما كان عليه العالم الإسلامي آنئذ، ويبدو أن الأمر استمر هكذا إلى عهد الإمام عبد الوهاب أو ابنه أفلح ليتحول القضاة إلى دار القضاء بدل المسجد الجامع الذي أصبح يعرف كذلك بمسجد عبد الرحمن بن رستم، على ما يظهر من النص السابق الذكر.

أمّا في المغرب الأقصى، حيث ندرة المعلومات، فلا نرى أن يكون المدراريون أو الأدارسة قد شذوا عما كان عليه العالم الإسلامي أو بالأحرى ما كان عليه المغربان الأدنى والأوسط آنئذ فسلجماسة بها جامع بناه أبو منصور اليسع بن أبي القاسم (174 - 208ه‍/ 790 - 823م) يقول عنه البكري: " … جامعها متقن البناء بناه اليسع فأجاد"(3) فهذا الجامع المتقن الجيد لا يكون إلا مكاناً أيضاً للقاضي يفضّ فيه المنازعات ويقضي فيه بين الناس.

وفي فاس عاصمة الأدارسة عدوتان، كما هو معروف، عدوة القرويين وعدوة الأندلس وفي كلتا العدوتين مسجد ، أحدهما هو جامع الأشياخ وهو أوَّل

(1) - أبو زكرياء: السيرة 86 - 87. الدرجيني، 1/ 41.

(2) - أخبار الأيمة، 28.

(3) - البكري: المغرب، 148.

٣٤٦ / ٧٤٣