الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٤٨«تملكت زناتة على البلاد واستقام ملكهم بالمغرب … وكثر الناس وضاق مسجد الشرفاء بالناس لصغره فأزالوا عنه الخطبة وأقاموها بجامع القرويين لكبره وسعته … وذلك سنة خمس وأربعين وثلاثمائة»(1) على ما يذكره ابن أبي زرع.
فالمسجد الجامع إذن بعواصم الدول القائمة ببلاد المغرب ،كان المقر الأول للقضاء وظل كذلك إلى نهاية القرن الثالث الهجري ولكن بدخول مقرات وأمكنة أخرى زحزحت المساجد عن هذا العمل القضائي، ومع ذلك يبدو أن المسجد ظل مكاناً للقضاء بالأقاليم والولايات وأهم مدن المغرب الإسلامي من غير العواصم.
ب- دار القضاء:
إن الإباضية في تيهرت والمالكية في القيروان ، هم الذين ابتكروا داراً للقضاء في عاصمة الدولة وجعلوا بذلك جلسات القضاء خاصة غير عامة، سرية غير علنية. ولعل الرستميين هم السباقون إلى هذا الإجراء حيث يذكر ابن الصغير أنه لما جاء محكّم الهواري من الأوراس في بداية عهد أفلح بن عبد الوهاب (208 - 258ه/ 823 - 871م) لتولي منصب القضاء بالعاصمة تيهرت أنزله الشراة "في الدار المعروفة بدار القضاء .. "(2)، فهناك إذن "دار للقضاء" وليست "دار القاضي" والفرق شاسع بين التسميتين وهو واضح ولا شكّ. فهذه الدار كانت مقر القضاء عند الرستميين منذ عهد أفلح بل منذ عهد أبيه عبد الوهاب بن عبد الرحمن (171 - 208ه/ 787 - 871م) لأن الدار معروفة لم تُبن في ذلك الوقت خصيصاً لمحكّم الهواري ، وإنما كان فيها سلفه قاضي عبد الوهاب الذي توفي فجاء محكّم ليخلفه في القضاء وفي الدار.
(1) - ابن أبي زرع: الأنيس. 54 - 55.
(2) - ابن الصغير: أخبار، 51، وانظر: الشماخي: سير، 194، الكعاك: موجز، 182.