الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٤٩إن هذا المستوى الحضاري(1) الذي بلغته الدولة الرستمية في إحدى ركائز جهازها الإداري لم يتوقف عند تخصيص دار للقضاء وإنما أيضاً توفير خادم يخدم القاضي فضلاً عن إجراء قوته من بيت المال(2)، وهذا كله من أجل أن يتفرغ القاضي لمهمته تفرغاً تاماً.
لقد كان إذن في الدولة الرستمية "للقضاة دار خاصة بهم تعرف بدار القضاء يجلسون بها للأحكام"(3).
ونجد مثل هذه الدار في القيروان ابتداءً من عهد سحنون (234 - 240ه (التي استحدثها. يقول الدباغ" وكان يجلس في بيت في الجامع بناه لنفسه، إذ رأى كثرة الناس، وكثرة كلامهم فكان لا يحضر عنده غير الخصمين ومن يشهد بينهما وكان قضاة المالكية يحكمون فيها بعده، وإذا ولي عراقي (حنفي) هدّمها وإذا ولي مدني (مالكي) بناها"(4).
إن هذا البيت الخاص بالقضاء والملحق بالمسجد الجامع(5) في آن واحد ، يؤكد ارتباط القضاء بالمسجد وهو ما يريد سحنون بن سعيد التعبير عنه في الدرجة الأولى، فهو لم يخرج من المسجد المكان المفضل للقضاء، وإنّما خصص فيه بيتاً جعله مجلساً لقضائه ليترك المسجد يؤدي دوره الديني والتعليمي من جهة، وليقضي
(1) - أشير مرة أخرى إلى رأي علي أحمد الذي لا يعرف السبب الذي جعل الحكومات العربية في العصور الوسطى تهمل هذا الأمر المتعلق بعدم تخصيص مكان للقضاء ويعتبر ذلك هفوة كبيرة وقع فيها الحكام وشاركهم فيها القضاة، فهو بدون شك لم يطلع على ابن الصغير وأخباره ولم يطلع على إصلاحات سحنون واتخاذه بيتاً خاصاً للقضاء مع أن كتابه في تاريخ القضاء في المغرب والأندلس. انظر: القضاء في المغرب والأندلس، 77.
(2) - ابن الصغير: أخبار 51.
(3) - الكعاك: موجز 182.
(4) - الدباغ: معالم 2/ 88.
(5) - Gaudefroy: Les Institutions. P. 155.