الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٥١لقد ظهر الصراع المذهبي على أشده بسبب هذا البيت القضائي ، ومهد السبيل للفاطميين لولوج إفريقية متفرقة غير متماسكة، يحمل علماؤها وقضاتها أحقادهم وضغائنهم على بعضهم البعض ، مما ينعكس سلباً ولا شك على الرعية. ولكن مهما يكن الأمر فإن المالكية، كما قال هوبكنز(1)، وُفقوا في اتخاذهم داراً للقضاء وكانوا السباقين إلى إقامة دور للقضاء في إفريقية.
وفي صقلية يظهر أن هناك داراً مخصصة للقضاء. قيل للقاضي أبي عمرو ميمون بن عمرو بن المغلوب (ت 310ه/ 922م) لما وصل الجزيرة "هذه دار القضاء تنزل فيها، فقال: هذه دار عظماء ، أيش أعمل فيها؟ (أي ماذا أعمل فيها؟) فنزل في دويرة لطيفة"(2).
إن أبا عمرو هذا حنفي المذهب(3) حسبما يبدو، لم يشأ النزول في دار القضاء واختار الدويرة اللطيفة زهداً وتواضعاً وهو الذي أشهد أهل سوسة على ممتلكاته ليحاسبوه عند عودته من صقلية، ومع ذلك فهو لم يصر على القضاء بالمسجد الجامع شأن أتباع مذهبه بالقيروان، مع احتمال أن تكون تلك الدار دار سكنى لا دار قضاء.
ثم إن هذه الدار "دار القضاء" التي وصفت بأنها "دار العظماء" تبدو ذات أبهة وزخرفة، فهل هي دار القضاء من العهد السابق للإسلام؟ لا شيء يؤكد أو ينفي ذلك وإن كنا نميل إلى إثبات الاحتمال، وإلا ما الداعي إلى عرض هذه الدار بالذات على رجل زاهد جاء قاضياً إلى الجزيرة؟!
(1) - النظم، 216.
(2) - المالكي: رياض، 2/ 180، الدباغ: معالم، 2/ 357.
(3) - لم يذكره القاضي عياض في مداركه التي خصصها لأعلام مذهب مالك.