الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٦٠ب- الفقهاء المستشارون والشهود:
1 - الفقهاء المستشارون:
كان المغرب الإسلامي في القرنين الأول والثالث للهجرة الثامن والتاسع للميلاد، يعج بالفقهاء من كل مدارسهم المختلفة سواء المدرسة الإباضية أو الحنفية أو المالكية أو الاعتزالية(1)، وكان طلب العلم في المغرب الإسلامي السمة البارزة لذلك العصر، فما أكثر الذين رحلوا إلى المشرق لطلبه أو جاؤوا من المشرق للمساهمة في الحياة الثقافية لبلاد المغرب.
وإن هؤلاء الفقهاء ، كثيراً ما وجدناهم مستشارين للقضاة(2)، يحضرون معهم مجالسهم القضائية أو يُستشارون عن بُعد، إن صح التعبير. ولعل الطريقة الثانية كانت الأكثر انتشاراً إذ لم يتول القضاء إلا الأعلم والأفقه في زمانه، في غالب الأحيان، وإن احتاج القاضي إلى الاستشارة بعث رجلاً من أعوانه يستشير له فقيهاً من الفقهاء.
وقد كانت هذه الظاهرة تلقائية عادية من باب "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"(3). إلا أن ابن غانم القاضي في عهده (171 - 190ه) أراد أن يتخذ من عبد الله بن فروخ في مجلسه، الفقيه المستشار الذي لا يرضى عنه بديلاً، فكان "لا يزال يستشيره في الخصومات فيأبى ويقول: لم أتقلد هذا قاضياً، أتقلده مستشاراً؟ "(4) علماً بأن ابن فروخ كان قد دُعي للقضاء قبل ابن غانم وأجبر عليه ولكنه
(1) - بحاز إبراهيم: الدولة الرستمية، 311.
(2) -عن الاستشارة القضائية انظر الماوردي: أدب القاضي 1/ 255، 264، عمر رضا كحالة: مباحث اجتماعية، 222. انظر: Gaudefroy: Les institutions. 153.
(3) - سورة النحل: الآبة 43.
(4) - الرقيق: تاريخ، 141. المالكي: رياض، 1/ 177، 178، وانظر: علي أحمد: القضاء في المغرب والأندلس،37.