القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٦٣

يوماً مع القاضي عمروس بن فتح في مجلس قضائه فتبادلوا الرأي هناك(1)، ودائماً في جبل نفوسة كان أبو محمد عبد الله بن الخير يأتي أبا القاسم البغطوري إلى منزله " … فيحكم هناك فيتعاونا … "(2)، وكان هذا في أواخر عهد الرستميين.

ولا نجد إشارة إلى فقهاء جلسوا إلى جانب القاضي بتيهرت، في النصوص التي وصلتنا ولكن هذا أمر أراه عادياً قد يحتاج القاضي إليه في يوم ولا يحتاج إليه في أيام، فمحكّم الهواري لما جاءه أخو الإمام أفلح، أبو العباس بن عبد الوهاب " … وجده خالياً في سقيفة داره ولم ير مع أبي العباس أحداً، فأجلسه محكّم إلى جنبه وأقبل عليه يحدثه"(3)، ولما جاء خصمه سوّى بينهما وحكم في القضية موضوع الخصومة حكماً عادلاً رضي به الإمام أفلح(4) وكان في كل ذلك وحده.

لقد كان القضاة في المغرب الإسلامي عموماً ، يستشيرون الفقهاء عند الضرورة ولم يكن هؤلاء الفقهاء يشكلون مجلساً قضائياً بحضورهم الإجباري، إلا من ألزم نفسه ذلك مثل حمّاس بن مروان ويبدو أنه الوحيد في هذا الأمر، ثم إن ما ذكره قودفروا ( Gaudefroy) في هذا الصدد يبدو مصيباً فيه ، إذ يقول إن القاضي يحكم وحده فيما إذا هو بحاجة إلى مستشارين (شورى)، وإذا كانت الشريعة تخول له الاستشارة فإنه غير ملزم إطلاقاً لأخذ رأيهم بعين الاعتبار إن بدا له ذلك(5).

2 - الشهود:

ونأتي إلى الشهود(6)، هذه المسألة التي أطنب فيها فقهاء تلك الفترة،

(1) - الدرجيني: طبقات، 2/ 322 - 323، الشماخي: سير، 273.

(2) - الشماخي: سير، 238.

(3) - ابن الصغير: أخبار، 51.

(4) - ابن الصغير: أخبار، 52 - 53.

(5) - Gaudefroy: Les Institutions. P. 153

(6) * - يروي جميل بن خميس والكندي قصة بديعة عن مبدإ "الشهادة" بين الناس لا بأس من ذكرها هنا وهي أنه " … يقال إن داود عليه السلام كان يقضي بين الناس يوماً وبين البهائم يوماً ، وكان إذا قضى بين الناس نزلت سلسلة من السماء فأخذت بعنق الظالم فاستودع رجل رجلاً لؤلؤاً (كذا) فأخذ عصى (كذا) فثقبها وجعل اللؤلؤ في جوفها وجحد صاحبها فجاء إلى داود عليه السلام فقال اذهبوا بهما إلى السلسلة فذهبوا بهما فقال الرجل "اللهم إن كنت تعلم إني دفعت إليه اللؤلؤ (كذا) فجحدنيه فأسألك أن أنالها" فنالها (أي لم تنزل السلسلة فتأخذ عنقه) فقال الآخر "امسك العصى (كذا) حتى أحلف … فنالها فقال داود عليه السلام "ما هذا؟ نالها الظالم والمظلوم؟ " فأوحى الله تعالى إلى داود أن أقض بين الناس بالشهود والأيمان وهو إلى يوم القيامة" انظر: جميل بن خميس: قاموس الشريعة (مخ)، ج36 ق14 ظ الكندي: المصنف، 13/ 25. ولقد حرص الإسلام على الشهادة وأدائها ووردت فيها آيات كثيرة في القرآن الكريم. كقوله تعالى: "ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم". سورة البقرة: الآية 283.

٣٦٣ / ٧٤٣