الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٦٦يتصور الشاهد الدائم أمام القاضي؟ وكان القضاة قبل ذلك التاريخ بالمشرق الإسلامي "إذا شهد عندهم أحد، وكان معروفاً بالسلامة قبله القاضي، وإن كان غير معروف بها أوقف، وإن كان الشاهد مجهولاً لا يعرف، سئل عنه جيرانه، مما ذكروه به من خير أو من شر عمل به، ومن الشهود نشأت بطانة القاضي"(1).
إن الشهود في بلاد المغرب الإسلامي، ظلوا على الطريقة الأولى المعهودة عند الناس، كل من شهد حدثاً أو حديثاً وطلبت منه الشهادة عند القاضي توجه إلى القاضي ليدلي بشهادته ، لذلك نجد سليمان بن عمران في منتصف القرن الثالث الهجري وهو القاضي يقول: "ينبغي للحاكم إذا شهد عنده الشاهد الغريب الذي لا يجد أحداً يعرفه بعدالة ولا جرحة، أن يتعرّف حاله بحال جُلاسه ومن يسكن إليه من طبقات الناس ، فإنه لا يألف الشكل إلا شكله"(2). وبالتالي فإن الشهود كانوا في المغرب الإسلامي شهوداً مباشرين يأتون بأنفسهم إلى مجلس القاضي وربما لم يكونوا يشكلون أعضاء دائمين في ذلك المجلس(3).
وقد "شهد قوم من أهل البادية عند عبد الله بن غانم فلم يحسنوا الشهادة … "(4) مما يدل أنهم بسطاء لم يمتهنوا الشهادة مهنةً مثلما سوف يكون في العهود المتأخرة. وكان سحنون بن سعيد يضرب المتخاصمين إذا مس أحدهما بكرامة الشهود لذكر عيب فيهم أو تجريحهم(5)، واتخذ من ابن عبدوس
(1) - عمر رضا كحالة: مباحث. 225 - 226. وانظر الكندي: قضاة مصر، 51.
(2) - الخشني: طبقات، 181 - 182.
(3) - في سؤال لمحمد بن سحنون عن الشهادة يقول السائل: " … لم يؤدوا شهادتهم عند القاضي ولا عند شهود القاضي" أجوبة (مخ) 27 ظ. فهل هذا يعني أن إفريقية عرفت الشهود الدائمين عند القاضي.
(4) - الرقيق: تاريخ، 192.
(5) - نوال تركي: التنظيمات: 201.