الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٦٧محمد بن إبراهيم كاتباً – وقد مرّ بنا ذلك- "صاحب كشف الشهود"(1) هذه الخطة الجديدة أو المهمة الجديدة التي لا نجد لها ذكراً عند القضاة الآخرين في بلاد المغرب، تؤكد أن الشهود لم يكونوا دائمين، وإنما لكل قضية أو خصومة شهودها، وبالتالي اقتضى الأمر توظيف "صاحب كشف الشهود" ليطلع على أحوال الشهود وعدالتهم أو جرحهم. وكان ربما دخل الشاهد عليه وأصابه رعب منه، فإن سحنون يعرض عنه حتى يستأنس ويذهب روعه ورعبه، فإن طال ذلك به هوَّن عليه قائلاً له: "ليس معي سوط ولا عصا، ولا عليك بأس، أدّ ما علمت ودع ما لم تعلم"(2).
وقد يقع القاضي في حيرة من أمره عندما يكون الشاهدان عدلين ومعروفين عنده مثلما وقع للقاضي ابن طالب في مجلسه عندما شهد عنده ابن معتب شهادة وشهد سهل القبرياني بضدها، فتوقف في الحكم وفكّر ملياً ثم قال: "إذا ذكر المتعبدون والبكاؤون ذكر ابن معتب معهم، وإذا ذكر أهل الأموال والتجارات ذكر سهل معهم، فأرى أن آخذ بشهادة ابن معتب"(3).
وهكذا عرف القاضي كيف يبرر ميله إلى شهادة هذا دون ذاك وكان تبريراً معقولاً يدل على تمكين من القضاء والأحكام ومقدرة وإدراك جيد.
إن القاضي قد يتعرض إلى خصومة يؤتى فيها بالشهود الزور، وهو ما وقع بالفعل للقاضي أبي محرز في بداية عهد الأغالبة عندما استعدى خصمان عنده
(1) - عياض: تراجم، 194. يحيى بن عمر: أحكام السوق، 48. هامش رقم 17. يذكر الكندي أنّ أول قاض في مصر جعل "صاحب سائل عن الشهود" هو المفضل بن فضالة في السبعينيات من القرن الثاني الهجري ورأى الناس أنه جاء أمراً عظيماً خاصة وأنه جعل عشرة شهود بين يديه في مجلس حكمه دائماً. انظر قضاء مصر: 72.
(2) - عياض: تراجم، 103.
(3) - عياض: نفسه، 258.