الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٦٨وأثبت أحدهما شاهدين وكشف عنهما فعُدّلا، ولما جاء ليحكم على المشهود عليه أقسم عليه بأن خصمه جاء بشاهدي زور، فاستعمل القاضي أبو محرز هنا الحيلة، وقال في الغد للمشهود له: أين الشاهدان اللذان شهدا لك فإني أريد أن أسألهما عن شيء بقي علي لم أسألهما عنه فمضى الرجل فأحضرهما فلما جلسا "قال القاضي بأعلى صوته: "يا شكرديد إن في حلقتي شاهدي زور، فامض إلى "باب سالم" فجئني بجملين حتى أحملهما عليهما فمضى شكرديد ، فالتفت أحد الشاهدين إلى الآخر وقال قم بنا فإنا نراد، ما أحسبه يحمل على هذين الجملين غيرنا، فهربا متسللين حتى غابا"(1). وهنا اكتشف أمر الخصم الذي جاء بشاهدي زور فقال له القاضي "يا عدو الله تجترئ عليّ بشهود الزور؟ وهمّ بضربه"(2).
وكثر شهداء الزور إذ تروي الأخبار أن مجموعة من الرجال شهدوا بالزور عند القاضي سليمان بن عمران خليفة سحنون في منصب القضاء(3). ويصادفنا هذا النوع من شهادة الزور في بعض مجالس قضاة الرستميين، إذ حاول رجل نكاري غدْر أحد المشايخ الوهبية وصوّب نحوه رمحاً ليقتله ولكنه أخطأه فلم يصب منه مقتلاً ولا مجرحاً. وأرادوا أن يأخذوه إلى المشايخ ليحكموا عليه، فقال لهم أحدهم: أنظِروني حتى أشاور الشيوخ ، فغاب مقدار ما يصل إليهم ثم عاد ليقول لهم إن الشيوخ أشاروا بقتله فقتلوه والرجل لم ير الشيوخ(4).
وتشبه هذه القضية ما رواه الإمام عبد الوهاب من رجوع شهود من الطريق أُرسِلوا إلى جارية ليسألوها إن رضيت النكاح؟ … ووقع بعد ذلك نكاح
(1) - المالكي: رياض 1/ 275.
(2) - نفسه: 1/ 275.
(3) - نوال تركي: التنظيمات، 203.
(4) - أبو زكرياء: السيرة، 195 - 196. الدرجيني: طبقات، 1/ 121 - 122. وأشير هنا إلى عامل الصراع المذهبي الذي جرَّأ هذا الرجل على شهادة الزور ورغبته في قتل النكاري لاعتقاده ربما أن دمه مباح لأنه نكاري فضلاً عن محاولة اغتياله لإباضي وهبي.