القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٦٩

فاسد فقال عبد الوهاب "إن هؤلاء الشهود شهود سوء وعليهم الأدب"(1)».

وكما وُجد هذا الصنف من الشهود في المجتمع، كذلك وجد الصنف الآخر، فأبو محمد ملي الأيدرفي كان يحفظ شهادة بحق رجل نفوسي، فلما أراد منه أن يؤديها عمل طعاماً فاستدعاه إليه، ووضع بين يديه ذلك الطعام، فذكر له الشهادة وأعلمه أنه يريد أداءها "فلما ذكره فيها وعلم أن الطعام إنما كان بسبب الشهادة المذكورة قال له: ارفع طعامك فإنّ عندي لك شهادة .... "(2). لقد تقيد بالدين تقيداً صارماً لما علم أن ذلك الطعام فيه شبهة الرشوة فحرمه على نفسه ولم يطعمه.

وكان القاضي عمروس بن فتح من المتشددين في مسألة الشهادة إذ لا يقبل إلا العدول(3)، فلما قال له عالمان من مشايخ نفوسة مشهوران عنده إن أهل شروس لا يكذبون، وشروس من قرى جبل نفوسة، أظهر عمروس إجازة شهادة كل شروسي فعاتباه الشيخان على ذلك فقال لهما إنما حكمت بشهادتكما، فوقف عن الحكم بشهادة غير العدلين. ويعلل الدرجيني هذا الموقف الذي صدر من عمروس بأنه تأدب مع الشيخين ولم يواجههما بالمناقضة ، فسلك بهما طريقاً يرجعان به إلى الصواب من غير تخطئة ولا توبيخ(4).

وفي تيهرت يروي ابن الصغير أن أبا عبيدة الأعرج شيخ مؤرخنا ابن الصغير، كان يأتيه القوم تلو القوم يقولون له "شهادة يأجرك الله عليها" فيأخذ نعله

(1) - عبد الوهاب: مسائل، 105.

(2) - الدرجيني: طبقات، 2/ 333. الشماخي: سير، 284 - 285.

(3) - الدرجيني: طبقات، 2/ 322 - 323. الشماخي: 226.

(4) - الدرجيني: طبقات، 2/ 322 - 323. انظر خلطاً فاحشاً في هذه القصة عند الدكتور علي أحمد: القضاء في المغرب والأندلس، 44.

٣٦٨ / ٧٤٣