الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٧١وكانت قبل ذلك في بيوت القضاة. وأوّل من قدّم الأمناء في البوادي، فكان يكتب إليهم، وكان من قبله يكتب إلى جماعة الصالحين منهم فأخذت القضاة بهذه السيرة بعده"(1).
إن هناك نوعين من الأمناء: أمناء على الودائع وأمناء على البوادي: أما أمناء الودائع فإن سحنون لمَّا رأى أن الودائع تكون في بيوت القضاة عرضة لأنواع من المخاطر، آخرها إمكانية جحود القاضي وقد وقع ذلك فعلاً مع القاضي عبد الله بن أبي الجواد (221 - 232ه/ 835 - 846م) الذي استودع أمانة مقدارها خمسمائة وكتب عليها كتاباً بخطه أعطاه لأصحاب الوديعة، ولمَّا عزل جاؤوا إلى القاضي سحنون بن سعيد الذي تولى من بعده، يطلبونه تلك الوديعة من عبد الله بن أبي الجواد إلا أنّ هذا الأخير أنكر الوديعة والكتاب الذي كان بخط يده فما كان من سحنون إلا أن سجنه وكان يخرجه كل جمعة لعله يعترف، فإذا استمر في إنكاره ضربه عشرة أسواط فما زالت تلك الحالة إلى أن مرض فمات في سجن سحنون سنة 234ه/ 848م "فشنّع الناس على سحنون أنه قتله"(2). وتوسوس من ذلك "وحفظ عنه أنه كان يردد: ما أنا قتلته، الحق قتله"(3).
إن هذه الحادثة الأليمة التي أودت بحياة قاض بسبب وديعة استؤمن عليها، لا شك أنها هي التي أوحت لسحنون أن يجعل هذه الودائع عند أمناء، ويخرجها من بيوت القضاة، واستحسن من جاء بعده من القضاة العملية فساروا عليها، وأصبح للقاضي أمناء مخصوصون يتعامل معهم في هذه الودائع.
أما أمناء البوادي ، فإنه إصلاح قضائي رائع وضعه سحنون بحيث أصبح اتصال القاضي بالبوادي اتصالاً رسمياً عن طريق هؤلاء الأمناء الدائمين وليس كما
(1) - عياض: تراجم، 104 - 105، الدباغ: معالم، 2/ 88.
(2) - ابن عذاري: 1/ 110. انظر القاضي عياض: تراجم، 106.
(3) - عياض: تراجم، 111.