الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٧٦كانت المنازعات تجري بينهم في أمور مشتبهة يوضحها حكم القضاء … "(1)، ثم يضيف مقارنة لطيفة يبين الفرق بين خطة المظالم وخطة الحسبة وموقع القضاء بينهما فيقول إن الفرق بينهما في وجهين "أحدهما أن النظر في المظالم موضوع لما عجز عنه القضاة، والنظر في الحسبة موضوع لما ترفّع عنه القضاة"(2).
ويتفق المنظرون على أن صاحب المظالم يجب أن يكون صاحب سلطة وسطوة ورهبة ويد عليا، يوجز ذلك ابن خلدون بأسلوبه الشيق "وقد كان خلفاء من قبل يجعلون للقاضي النظر في المظالم وهي وظيفة ممتزجة من سطوة السلطنة ونصَفَة القضاء، وتحتاج إلى علو يد وعظيم رهبة تقمع الظالم من الخصمين وتزجر المعتدي وكأنه يُمضي ما عجز القضاة أو غيرهم من إمضائه"(3).
لقد برزت ونشأت خطة المظالم في الخلافة الأموية على عهد عبد الملك بن مروان(4) (65 - 86ه/ 684 - 705م) الذي جلس رسمياً للمظالم لما تجاهر الناس بالظلم(5) فمسّت الحاجة إلى ولاية أو خطة تردع الأقوياء الظالمين وتنظر في شكاوى المظلومين والمغلوبين على أمرهم، ويبدو أن المتظلمين من رعيته أكثروا عنده الشكوى وطالبوه بما لا يستطيع ، حتى قال لهم: "أنصفونا يا معشر الرعية تريدون منا سيرة أبي بكر وعمر ولا تسيرون فينا ولا في أنفسكم بسيرة رعية أبي بكر وعمر – نسأل الله أن يعين كلاً على كل"(6).
(1) - الماوردي: الأحكام، 86 - 87.
(2) - نفسه، 273.
(3) - ابن خلدون: المقدمة، 392.
(4) - حمدي عبد المنعم: ديوان المظالم نشأته وتطوره واختصاصاته، دار الجيل، بيروت، 1988، 66.
(5) - حمدي عبد المنعم: نفسه، 72.
(6) - يقول اليعقوبي متحدثاً عن الجور والدماء التي سفكت في عهد عبد الملك بن مروان: "كان لعبد الملك إقدام على الدماء ومعاجلة، فكان عماله على مثل مذهبه. الحجاج بالعراق والمهلب بخراسان وهشام بن إسماعيل المخزومي بالمدينة وعبد الله بن عبد الملك بمصر وموسى بن نصير اللخمي بالمغرب … وكلهم جائر ظلوم غشوم عسوف وكان الحجاج من أظلمهم وأقدمهم على الدماء" مشاكلة الناس لزمانهم، تح. وليام ملورد، دار الكتاب الجديد، بيروت، ط1، 1962، ص 18.