الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٨٤إن مظالم القيروان ما هي إلا وظيفة "أحكام السوق" التي هي أعلى من الحسبة وأدنى من القضاء، هكذا يُفهم النص المذكور للدباغ وإن "صاحب المظالم" قد يحكم فيما هو من اختصاص الحسبة ولكنه لا يتطلع إلى أحكام القضاء.
فهذه الوظيفة الجديدة إذاً مرتبطة بالقضاء في إفريقية الأغلبية ارتباطاً وثيقاً، بل إنها من ابتكار القضاء وليست لها أية علاقة بخطة المظالم المشهورة والمعروفة عند الناس في المشرق والمغرب والتي تحدث عنها الفقهاء وأطنبوا. أما هذه التي وجدت ببلاد إفريقية الأغلبية ، فلم يشيروا إلى مهامها ولا إلى سلطة صاحبها ولا إلى أي شيء مما يحيط بها من قريب أو بعيد ، فكتب السلطانيات لا تعرفها، وهي غريبة عنها ما دامت هذه الكتب كلها مشرقية الأصل وحتى الحديثة منها كذلك.
إن هذه الخطة مغربية إفريقية لا وجود لها في المشرق ولا في الأندلس، ويبدو أنها أغلبية بالذات نشأت بين أحضان قضائها وانتهت بدوال دولتها وربما استمرت على عهد الفاطميين بالمغرب(1).
إن صاحب المظالم بالقيروان يساعد القاضي فيما يحدث من نزاع وخصام وشجار في الأسواق دون غيرها ، ويحدد له القاضي الذي يعينه أعلى قيمة نقدية يحكم فيها وإذا تجاوزت خصومة تلك القيمة لم تعد من اختصاص صاحب المظالم وإنما هي من قضايا القاضي ترفع إليه وهو الذي يحكم فيها.
إن سحنون بن سعيد لما عين نصر بن حبيب تلميذه المذكور لولاية "صاحب المظالم" أذِن له في الحكم في عشرين ديناراً فما دون ، ولكن سليمان بن سالم بن الكحالة صاحب مظالم عيسى بن مسكين حكم في مائة دينار(2). فهذه
(1) - النويري: نهاية الأرب (الفاطميون) 55 هامش 146. الخشني: طبقات، 194.
(2) - عياض: تراجم، 242، 277، هوبكنز: النظم، 235.