القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٨٨

نظراً شافياً وأجرى الحق على من رضي وسخط عظم قدره أو صغر ولم تأخذه في الله لومة لائم … "(1).

إن هذا النص قد يفهم منه جلوس أبي اليقظان للمظالم نيابة عن أخيه لأنه كان ينظر ويسمع إلى الناس فيما بينهم وبين العمال والقضاة وأصحاب الشرطة. ورغم أن النص في أسلوبه بهمة نوعاً ما، فإن الجلوس لمثل هذه المهام هو عين خطط المظالم إلا أن أبا اليقظان لم يتسم بهذه التسمية ولم يذكرها ابن الصغير وإنما ذكر عنه بأنه كان يحتسب إذ أظهر لأخيه "القيام له والحسبة بين يديه"(2). فالمجتمع الرستمي كان، على ما يبدو، ينظر إلى هذا العمل بأنه حسبة وليست خطة للمظالم.

والحقيقة أن ابن الصغير يورد نصاً آخر عن أبي اليقظان وهذه المرة لما كان إماماً للدولة الرستمية (260 - 281ه‍) وقد رآه ابن الصغير في "مصلى الجنائز" ينتظر فراغ دفن رجل مات من وجوه الناس فيصفه ويصف هيبته ووقاره ويقول: " … كان إذا جلس الناس وأمرهم بالجلوس لم ينطق أحد بين يديه إلا أن تكون ظلامة ترفع إليه وكان زاهداً وورعاً ناسكاً سكيناً"(3).

فهل هذا جلوس للمظالم مثلما كان يفعله عبد الملك بن مروان والخلفاء الذين جاؤوا من بعده؟ لا أعتقد ذلك لأن جلوس الخلفاء كان جلوساً رسمياً في يوم أو أيام معدودات من الأسبوع وفي مكان معين وللمظالم بعينها لا غير، أما جلوس أبي اليقظان في مصلى للجنائز أو في المسجد الجامع لأداء الصلاة ثم قد يأتيه متظلم وقد لا يأتيه فنسمي ذلك "خطة المظالم" أرى في هذا الاستنتاج نوعا من الاندفاع لا مبرر به.

(1) - ابن الصغير: أخبار، 63.

(2) - نفسه، 63.

(3) - ابن الصغير: أخبار، 81. الشماخي: سير، 221.

٣٨٧ / ٧٤٣