الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٩١إن هذه المجموعة من التعاريف الدقيقة البديعة حول الحسبة وعلاقتها بالقضاء تطوي لنا الكثير من المراحل في بحثنا عن علاقتهما ببعضهما البعض في المغرب الإسلامي خلال القرنين الثاني والثالث للهجرة، قبل ذلك نتحدث عن نشأة الحسبة في بلاد المغرب.
إن نشأة الحسبة ببلاد المغرب لأول مرة كنظام للرقابة العامة وتنظيم الأسواق يبدو أنها ترقى إلى عصر المهالبة في إفريقية وإلى يزيد بن حاتم المهلبي(1) 155 - 171ه/ 771 - 787م منهم بنوع خاص، فهو الذي استهل عهده بتنظيم أسواق مدينة القيروان وخصص لكل صناعة سوقاً وعين على كل صناعة عريفاً وغير ذلك من الإصلاحات المرتبطة بهذا المجال.
ويظهر أن هذا النظام قد عمّ مدن إفريقية والمغرب مثل تونس وتيهرت الرستمية وسلجماسة المدرارية وفاس الإدريسية وظهرت النتيجة في الأسماء المتشابهة للأسواق في تلك المدن مثل سوق العطارين وسوق البزازين والصفارين والدباغين وما إلى ذلك(2).
إن النظر في أمور الأسواق كانت من اختصاص ولاة المغرب، وبصيغة أدق إن خطة الحسبة قبل قيام الدولة الأغلبية لم تظهر ضمن الوظائف الإدارية المستقلة وإنما كان يمارسها الولاة إذ كانت من خصائصهم أو من خصائص من يولونه من قضاتهم وأعوانهم، ويؤكد هذا ما أورده القاضي عياض عندما قال "أول ما نظر سحنون في الأسواق وإنما كان ينظر فيها الولاة دون القضاة"(3). "وهو أول من نظر في الحسبة من القضاة"(4)، لهذا لا نعرف عن الحسبة شيئاً ذا بال قبل عهد
(1) - ابن عذاري: البيان، 1/ 78.
(2) - لقبال موسى: الحسبة، 39 - 40. وانظر: نوال تركي: التنظيمات، 198.
(3) - عياض: تراجم، 104.
(4) - نفسه، 104.