القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٩٣

والمدن الرئيسية في إفريقية وذلك عندما وقف سحنون موقفاً صارماً شجاعاً واجه فيه الأمير وبطانته، يتعلق بنساء من سبي تونس استحلهن حاتم الجزري أحد المقربين من الأمير، فأمر سحنون أعوانه بتخليصهن وجلبهن إليه ثم أطلق سراحهن. وأرعد وأزبد حاتم الجزري وأغضب الأمير معه على قاضيه سحنون، ولكن صرامة سحنون في الحق جعلته في نهاية المطاف ينتصر ويقول الأمير معترفاً "ما أظن هذا الرجل يريد بنا إلا خيراً ونحن لا نعلم أرسلوا إليه يرسل إلينا المحتسبة لنكتب لهم السجلات حتى يذهبوا بها إلى أقصى عملي ليأخذوا من يجدونه من الحرائر"(1)، وكان كما أراد.

ولقد استنتج الدكتور لقبال عدة حقائق من هذه الرواية تتصل بنظام الحسبة في إفريقية الأغلبية منها "أن التقليد كان من حق الأمراء، لا من حق القضاة وأن دور القضاء ترشيح ذوي الكفاءة وتزكيتهم عند الأمراء، ثم إن النظام عندما بانت أهميته ووُجدت مبررات لإقامته مستقلاً عن القضاء، عُمم في نواحي إفريقية كلها دانيها وقاصيها"(2).

هكذا إذن قام نظام الحسبة مستقلاً عن القضاء، وارتبطت نشأته بقضية تحرير إماء تونس اللائي فرض عليهن الرق وما هن بإماء.

وكان سحنون بن سعيد القاضي المحتسب في بداية حياته الإدارية ، يؤدب الناس على رثة اللباس وسوء الحال وكان يضرب القفا تأديباً. ونظر في أنواع من المعائش وما يغش من السلع ونفى الغشاش من السوق، ولقد ذكرنا أنه نصّب الأمناء على الأسواق ليراقبوا سير التجارة وأنواع السلع وتصرفات التجار وحارب البدع والأهواء وشرد أهلها من المسجد الجامع وراقبهم مراقبة شديدة أن يعودوا

(1) - عياض: تراجم، 108 - 109.

(2) - لقبال: الحسبة، 42.

٣٩٢ / ٧٤٣