القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٩٤

إلى تجمعاتهم بالمسجد، وأمر بقتل الكلاب وتتبع حركاتها ليكف خطرها عن السكان وضرب الزناة رجالاً ونساءً وأغلق بيت امرأة هيأته للفساد(1). وما إلى ذلك من الأعمال التي تدخل في اختصاص المحتسب.

هكذا إذن كانت الحسبة في إفريقية بعيدة عن القضاء طيلة عصر الولاة وشطراً من عصر الأغالبة، حتى كان سحنون بن سعيد فجعلها خطة من خطط القضاء ومهمة من مهامه، ولقد رأينا أن الذي نشطه لتولي المنصب هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالدرجة الأولى، وذلك عندما رأى منكراً في جنازة حضرها كان بإمكانه أن يغيره فقيهاً محتسباً، ولكنه فضل أن يغيره فقيهاً قاضياً ومحتسباً.

وجمع سحنون الخطتين معاً وأبدع فيهما معاً ، ثم إنه باحتسابه لجأ الأمير إلى تعيين المحتسبين بالأقاليم بعد استشارته فيمن يليق للمنصب ، ويبدو أنهم كانوا تابعين له مرتبطين به.

ويظهر أن "أصحاب السوق" هؤلاء المحتسبون لم يستمروا مرتبطين بقاضي القيروان أو تابعين له بل ربما بعد عهد سحنون (234 - 240ه‍) استقلوا بخطتهم ورجعوا إلى ما كانوا عليه قبل ذلك التاريخ. ويؤكد نص ليحيى بن عمر (289ه‍/ 901م) في كتابه "أحكام السوق" هذه الحقيقة عندما ينصح الوالي قائلاً: "ينبغي للوالي الذي يتحرى العدل أن ينظر في أسواق رعيته ويأمر أوثق من يعرف ببلده أن يتعاهد السوق ويعيّر على أهله صنجانهم وموازينهم ومكاييلهم كلها … "(2). ويتحدث يحيى بن عمر في كتابه عن مهام المحتسب في السوق وهي مهام كثيرة

(1) - عياض: 104 - 105، وانظر لقبال: الحسبة، 43 - 44. نوال تركي: التنظيمات، 201 - 202. زغلول: تاريخ، 2/ 92.

(2) - يحيى بن عمر: أحكام السوق، 31 - 32.

٣٩٣ / ٧٤٣