الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٠١لقد مرّ بنا أن روح بن حاتم في عصر الولاة لما أجبر عبدَ الله بن فروخ على القضاء لم يعامله بمثل هذه المعاملة اللأخلاقية ولم يصل به الأمر إلى الأخذ بضبع القاضي وعضده وإجباره على الجلوس للحكم بين الناس، وإنما أقصى ما عمله روح هو أنه لما هدده بطرحه من أعلى المسجد ورأى أن في ذلك عزيمة عليه قبل القضاء "فجلس للناس ومعه حرس"(1).
فما معنى جلوس الحرس – وهم نوع من الشرطة – مع القاضي؟ لعل ذلك ليحرسوه من نفسه ربما يهرب لهم من القضاء مثلما فعل الكثير من القضاة فيُسأل عنهم فلا يجدونهم إلا خارج القيروان بتونس أو بمصر.
ويذكر فوندرهيدن، دون الإشارة إلى مصادره، أن الشرطة كانت في البداية عند الأغالبة إدارية ،وجاء سحنون فضمها إلى مهامه(2)، والحقيقة أننا لا نجد شيئاً من هذا في المصادر المعتمدة لدينا، وكل الذين ذكروا إصلاحات سحنون وابتكاراته وإنجازاته لم يذكروا له هذا الإجراء إطلاقاً، فلا علاقة للشرطة مع القضاء في إفريقية عصر الولاة وعصر الأغالبة.
أما في المغرب الأوسط عند الرستميين، فإنه منذ بداية الدولة، وفي عهد مؤسسها عبد الرحمن بن رستم (160 - 171ه/ 777 - 787م)، وجدت الشرطة وأصحاب الشرطة(3)، وكانت أرزاقهم تخصص لهم من مال الجزية وخراج الأرضين يقطع لهم عبد الرحمن ما يكفيهم في سنتهم(4). وظلت الشرطة موجودة طيلة عهد الرستميين تحت رئاسة من يعرف بصاحب الشرطة(5).
(1) - الدباغ: معالم، 1/ 242.
(2) - Vonderheyden: La Berberie. P. 175.
(3) - ابن الصغير: أخبار، 35.
(4) - نفسه: 36.
(5) - نفسه: 41، 54، 63، 101. وانظر هوبكنز: النظم، 244. وانظر الكعاك: موجز، 183. الحريري: مقدمات البناء، 229. زغلول: تاريخ، 2/ 308.