القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤١٥

بين يديه ويدعو بتلك الرقاع الواحد بعد الآخر، إلا إن جاءه مضطر أو ملهوف فإنه يقدمه على الذين سجلهم في رقاعه(1). وكانت هذه العادة موجودة في بلاد المشرق ذكرها آدم متز(2)، وقال بأن هذه الرقاع توضع في باب المسجد فيأخذها الكاتب ولا يزال يأخذها حتى يحضر القاضي، ووجدت كذلك في الأندلس ذكرها الخشني(3)، والغرض منها جميعاً تنظيم وترتيب المتقاضين في دخولهم إلى مجلس القاضي، ولعل وجود مثل هذه الرقاع في إفريقية الأغلبية يدل بالدرجة الأولى على كثرة المتقاضين وكثرة المنازعات كما يدل على أهمية وضرورة القضاء في المجتمع.

خلاصة الباب الثاني

إن القاضي في المغرب الإسلامي خلال القرنين الثاني والثالث للهجرة (8 - 9هـ) تمتع بشخصية مميزة، كسبها من علمه لأنه الفقيه وربما الأفقه في مجتمعه، ومن عمره الذي يتراوح بين الكهولة والشيخوخة، هذا في الغالب الأعم وإن وجد من بينهم من نسب إلى شيء من الجهل، أو من تولى القضاء وهو شاب أو صغير، إلا أن عددهم ضئيل جداً.

ولما كانت ميزتا العلم والعمر بما أسلفنا، مال أغلب القضاة في المغرب إلى التخشن في الملبس والمأكل والمركوب، وتعففوا عن حقهم في الراتب يقبضونه من الدولة، فكسبوا بذلك هيبتهم وفرضوا وجودهم بالمجتمع، وطغت شخصياتهم في كثير من الأحيان على أكبر أعوان الدولة بل حتى على الأمير أو الإمام نفسه.

ولم تكن الأصول الاجتماعية أو القبلية لهؤلاء القضاة محدودة ضيقة في أصول

(1) - عياض: تراجم، 105. زغلول: تاريخ، 2/ 94.

(2) - آدم متز: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، 1/ 412 - 413.

(3) - قضاة قرطبة، 69.

٤١٣ / ٧٤٣