الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤١٦اجتماعية بعينها، أو قبلية بعينها، وإنما القضاء بالمغرب منصب تولاه وعرض على الشريف والمشروف، على من نسب إلى الطبقات العليا أو الدنيا على حد سواء، على العربي والبربري والأعجمي، وإن لاحظنا أن العرب من مختلف قبائلهم، تولوا هذا المنصب بكثافة في دولة الأغالبة، في حين كان البربر بمختلف قبائلهم هم الذين يتولونه في دولة الرستميين، ولعل قضاة الأدارسة كانوا من العرب خاصة.
إن أبرز قضاة المغرب الإسلامي هم قضاة العواصم: القيروان، تيهرت، فاس، سجلماسة ويأتي قضاة الأقاليم في دولتي الأغالبة والرستميين خاصة في الدرجة الثانية، لأن هؤلاء إنما يتم تعيينهم من قبل قاضي العاصمة في الغالب الأعم، هذا في القيروان، أما في تيهرت فإن الأيمة يعينون الولاة ويحمّلونهم كل المسؤوليات ومنها القضاء، وقد يتنازل أحدهم عن خطة القضاء لفقيه يرى فيه القدرة والكفاءة …
وتمتع القضاء في المغرب باستقلالية مطلقة، لم تعكرها إلا بعض التدخلات الشاذة من بعض الولاة أو الأمراء، قابلها القضاة بصرامتهم المعهودة، ورفضوها جملة وتفصيلاً، وحافظوا بذلك على استقلالية مؤسستهم فكانت محترمة ارتاح لها المجتمع، ووجد عندها المظلوم حقه غير متعتع.
لقد تمت تعيينات قضاة هذه الفترة في دار الخلافة من قبل الخليفة في دمشق أو بغداد، خاصة في مرحلتها الأولى، ثم أصبحت بعد ذلك من صلاحيات الولاة بإفريقية. ولما استقل المغرب بكياناته عن المشرق أصبح التعيين بيد أمراء الأغالبة وأيمة الرستميين والأدارسة، وربما حتى المدراريين. ولقد روعيت الشروط المطلوبة في القاضي أثناء التعيين، فكان حكام المغرب يبحثون دوماً عن الأفقه والأعلم، وكان هؤلاء كثيراً ما تهربوا من مسؤولية القضاء وخطورته.
ومثل التعيين تماماً، كان العزل كذلك، وربما اعتزل القاضي من تلقاء نفسه،