الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤١٧وتخلى عن مهمته والأسباب عديدة … إلا أن العزل من قبل أمراء بني الأغلب في الخمسين سنة الأخيرة من حكمهم باتت ظاهرة متبعة ملفتة للانتباه.
وفيما يتعلق بصميم عمل القاضي ومجلسه الموقر، يكفي أن نشير إلى أن بدايته كانت بجلوس القاضي في المسجد الجامع للعاصمة. وظل المسجد المقر المفضل للقضاء عند الأحناف طيلة القرنين الثاني والثالث للهجرة، في حين فضّل المالكية والإباضية تخصيص دار للقضاء ربما بجوار المسجد، حفاظاً على حرمة بيت الله وأسرار الناس من جهة، وقطعاً لتطفل المتطفلين من جهة أخرى.
ولم يقض القضاة بالمساجد ودور القضاء فحسب ، وإنما قضوا في كل مكان عرضت لهم فيه قضية، كالسوق والشارع والدكان، وفي بيوتهم أو أمام عتبات تلك البيوت.
إن القاضي لوحده مع الخصوم، لا يشكل مجلساً قضائياً بمعنى الكلمة، وإنما وجد معه الكاتب باستمرار، وقد يتخذ الحاجب لتنظيم الناس وترتيب دخولهم إلى مجلسه، إلا أن أهم ما يضفي على المجلس وقاره هم أولئك الفقهاء المستشارون، الذين يساعدون القاضي في تحري أحكامه، وإن جهلنا عددهم في المجلس الواحد، بل قد يستغني عنهم قاض فقيه كسحنون بن سعيد مثلاً.
ولا يخلو مجلس القاضي من الشهود، وربما أصبحوا من الدائمين مع أواخر القرن الثالث الهجري، هذا فضلاً عن أعوان آخرين كالأمناء والترجمان والخدم وما إلى ذلك.
وحيث أن القضاء في المغرب الإسلامي في الفترة المذكورة، عرف نشأته واستمراره وبعض تطوراته، وتزامن ذلك مع خطط أخرى، إذ العصر بالنسبة للمغرب عصر تأسيس لنظمه ومؤسساته، وجدنا تداخلاً وعلاقات بين القضاء