الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٢٤يكون المشرّعون الأولون قد واجهوا أمراً عظيماً(1)، فمن المعروف أنَّ القراء والفقهاء كانوا يشكلون جزءاً من الجند في جيوش الفتح، وعليهم كانت تقع مسؤولية حل تلك المسائل، فكانوا بذلك النواة الأولى للتشريع ببلاد المغرب، وبدأت الذاكرة الجماعية تحفظ تلك الأحكام سلوكاً وواقعاً معيشاً مرتبطاً بتطوراتها وبدأ المهتمون بالفقه يحفظونها كجزء من المعرفة الفقهية التي كلَّفوا أنفسهم حفظها واستيعابها أو كلفتهم العناية الإلهية بذلك.
ومن المعروف(2) أنَّ القضاء إِلى نهاية القرن الأوَّل للهجرة كان يعتمد المصدرين الأولين للتشريع في الإسلام كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -(3) بالإضافة إِلى ماقرره الخلفاء الراشدون وصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أحكام وأقضية اجتهدوا فيها رأيهم ونالت الإجماع، ثمَّ ماكان مع التابعين بعد ذلك من اجتهادات تقبلها الجمهور وعمل بها القضاء بوازع الشريعة أو بوازع السلطان إذ يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
إنَّ كتاب الله وسنة رسول الله والاجتهاد والإجماع هي مصادر التشريع القضائي خلال القرن الأوَّل الهجري(4) وهي المصادر التي سيعتمدها القضاء في المغرب الإسلامي خلال عصر الولاة (96هـ-184هـ/714 - 909م).فهذا العصر الأكثر ارتباطا بالمشرق والأقرب منه زماناً إذ يشكل المغرب الإسلامي فيه ولاية من
(1) - أحمد أمين: فجر الإسلام. 380، هوبكنز: النظم.220.
(2) - انظر كتابنا القضاء في الإسلام، مرجع سابق.
(3) - إنَّ أبا عبد الله الشيعي في نهاية القرن الثالث يتساءل ما السنة؟ فقد روى المالكي أنَّ الداعي سأل القاضي عهد الأغالبة إبراهيم بن يونس المعروف بابن الخشاب (آخر العهد الأغلبي) وقد قيل له إنَّه كان قاضياً سأله «بأي شيء تقضي؟ فقال له إبراهيم (ابن الخشاب) بالكتاب والسنَّة فقال له أبو عبد الله: فما السنَّة؟ فقال له إبراهيم (ابن الخشاب) السنَّة السنَّة … » انظر تمام الرواية: رياض النفوس 2/ 76.
(4) - فاروق عمر: النظم، 125.