القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٢٦

لا يُسرع إِلى الحكم بالحدود وكأن هذا يماثل في بعض معانيه مايقال اليوم «المتهم بريء حتى تثبت إدانته»(1). وكذلك حديثه - صلى الله عليه وسلم - «البينة على المدعي واليمين على المدّعَى عليه»(2). أو حديثه - صلى الله عليه وسلم - «من اجتهد فأصاب فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد» … فهذا التراث القضائي كان يُعتبر القاعدة الأساسية في التشريع القضائي ببلاد المغرب، أضف إِلى ذلك كتاب عمر بن الخطاب إِلى أبي موسى الأشعري(3) وهو كتاب جامع لأهم ركائز القضاء في الإسلام مشهور معروف، لا أعتقد أنه غاب عن قضاة عصر الولاة بالمغرب بخاصة وقد عدَّه العلماء من المصادر الأصيلة لأصول المحاكمات(4).

إنَّ قضاة المغرب لم ينطلقوا من عدم، فقد سبق القضاة في العهد الراشدي ثمَّ في العهد الأموي أن حكموا في كثير من القضايا وفي بيئات مختلفة. فلا شك أنَّ أحكامهم تلك تشكل تجربة رائدة اعتمد عليها القضاة ببلاد المغرب وهم، كما نعرف، جلهم من أصول عربية مشرقية وكلهم تلاميذ المدرسة المشرقية في الحجاز أو الشام أو العراق وظلوا على اتصال دائم بأعلام المشرق لم ينقطع طيلة القرنين الثاني والثالث للهجرة وإن تقلص نوعاً ما في القرن الثالث ولم يعد بالكثافة التي كان عليها قبل ذلك.

لقد سبق أن رأينا تتلمذ بعض قضاة المغرب على المشايخ بالمشرق إذ كانت لهم الرحلة إِلى تلك البقاع فعبد الله بن المغيرة بن أبي بردة الكناني (99 - 123هـ) أوَّل قضاة المغرب بالقيروان على عهد الولاة هو من فضلاء التابعين ومن رواة

(1) - فاروق عمر فوزي؛ النظم 133.

(2) - الترمذي: جامع الترمذي: 2/ 279 - 280.

(3) - أنظر المبحث الثالث من الفصل التمهيدي.

(4) - مناع القطان: النظام القضائي في العهد النبوي والخلافة الراشدة، 51.

٤٣٣ / ٧٤٣