القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٢٩

التي شهدتها المرحلة، كان المغرب الإسلامي يتابعها أوَّلاً بأول ويتأثر بها شيئاً فشيئاً ولعل في ذلك التأثر شيئاً من البطء والتأني استوجبته بُعدُ المسافة بين مراكز العلم في المشرق ومراكز العلم في المغرب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان تأثراً دون تأثير لأنَّ المغرب ظل دائماً تلميذا للمشرق في هذه المسائل الفقهية والتشريعات القضائية ومما يؤكد هذا البطء والتأخر مارواه الخشني عن عالم رحل إِلى العراق ولما عاد سأل أهل القيروان عمَّاذا يتكلم فيه علماء القيروان فقيل له في الأسماء والصفات «فقال إنَّما تركت الناس بالعراق يتوافقون في مسألتين مسألة القدر ومسألة الوعد والوعيد»(1)، وهذه في علم الكلام بطبيعة الحال يستشف منها البطء والتأخر الذي كان عليه المغرب مقارنة بالمشرق في العلوم الأخرى، وهو بطء وتأخر لا أراهما كبيرين وهما ضروريان في هذه المرحلة، فلا يُعقل أن يسبق التلميذ شيخه.

ومما يؤكد هذا التخلف النسبي ما ذكره المؤرخون من أن الخمر كان بإفريقية فضلا عن سائر المغرب حلالا فلم يتبينوا تحريمها حتى أرسل الخليفة عمر بن عبد العزيز (99 - 101هـ) بعثته العلمية المتكونة من عشرة من التابعين أهل علم وفضل، وعين إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر والياً على إفريقية وما زال هذا حريصاً على دعاء البربر إِلى الإسلام حتَّى أسلم بقية البربر بإفريقية على يديه وهو الذي علّم أهل إفريقية الحلال والحرام(2).

كان هذا في بداية القرن الثاني الهجري أما بعد ذلك من منتصفه إِلى القرن الثالث الهجري فإنَّ الإباضية في دولة أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري ثمَّ في دولة الرُّستميين، والصفرية في دولة بني مدرار، كانوا خير رسل

(1) -طبقات. 220.

(2) - أبو العرب: طبقات 87، ابن عذاري: البيان 1/ 48.

٤٣٦ / ٧٤٣