الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٣١الاستزادة من العلم بعد وفاة حملة العلم إِلى إرسال أموال إِلى البصرة ليشتروا له بها كتباً فكان له ما يريد إذ أرسلوا إليه ديوانا عظيما فاجتهد في قراءته ولمَّا انتهى منه حمد الله إذ ليس فيه مسألة غربت عنه إلاَّ مسألتان لو سئل عنهما لأجاب قياساً على نظائرهما ووافق الصواب(1).
فهذه الرواية تؤكد اتَّصال المغرب بالمشرق: اتصال الإباضية الرُّستمية بأيمتها في البصرة، كما تؤكد تمكُّن المغاربة من الفقه عموما بما في ذلك فقه الأحكام بطبيعة الحال، وتشير الرواية صراحة إلى اعتماد الكتب في هذه المرحلة من القرن الثالث الهجري، فالتدوين للفقه وأبوابه قد بدأ إذن عند الإباضية بعد أن دوِّن الحديث على يد الربيع بن حبيب في مسنده المعروف بالمسند الصحيح(2)، وتشير الرواية كذلك إلى استعمال القياس في استنباط الأحكام الجديدة وهو قياس نازلة بما سلف من الأحكام، من حيث ظروفهما وملابساتهما ومشابهتهما أو مطابقتهما في كثير من الجزئيات، وهذا القياس يدخل عموما في الباب الكبير الذي يعرف بالاجتهاد، لأنَّه إعمال للعقل واجتهاد من الفقيه أو القاضي أو المفتي لإصدار الحكم وتأصيله.
ودائما عند الإباضيَّة بدأ التأليف في الأحكام في المغربين الأوسط والأدنى، فالإمام عبد الوهَّاب له كتاب «معروف بمسائل نفوسة الجبل لأَنَّ نفوسة كتبت إليه في مسائل أشكلت عليها فأجابها عن كلّ مسألة مِمَّا سألت عنه وكان هذا الكتاب في أيدي الإباضيَّة مشهوراً عندهم معلوماً يتداولونه قرناً عن قرن»(3)
(1) - أبو زكرياء: السير 102 - 103، الدرجيني: طبقات.1/ 56 - 57 يذكر أبو زكرياء أنَّ إباضية البصرة أرسلوا له بمقابل أمواله أربعين حملاً من الكتب.
(2) - انظر ترجمة الربيع بن حبيب ومسنده. الدرجيني: طبقات 2/ 273 ومابعدها الشماخي: سير 102 وانظر كتاب الدولة الرستمية. 76،هامش12. وانظر كذلك: الربيع بن الحبيب: الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب المطبعة العربية بالأوفست. غرداية 1985.
(3) - ابن الصغير: أخبار. 39.