القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٣٧

والسنَّة ويوظفون الاجتهاد وإعمال العقل إلى حدٍّ كبير وهو ما وصفوا به دائما، إلاَّ أنَّني أعود فأقول إنَّ أحكامهم القضائية لا أراها تعدو أن تكون إِلاَّ أحكاماً على المذهب الحنفي(1) بخاصة. وإنما شهرتهم القضائية كانت بسبب امتحانهم الناس بقضية خلق القرآن، فقد شغلوا أنفسهم وشغلوا الرعية معهم بهذه القَضِيَّة التي لا علاقة لها بالقضاء إلاَّ في حالة «الشهادة» فأتعبوا أنفسهم وأتعبوا الرعية معهم دون أن يضيفوا شيئاً جديداً إلى مصادر التشريع القضائي اللهمَّ إِلاَّ الإسراف في استعمال العقل عند غياب الآية والحديث أو عند تفسير الآية والحديث في حالة وجودهما وكانت منافستهم للفقهاء والقضاة الأحناف والمالكية شديدة جداً امتدت إلى نهاية العهد الأغلبي تقريباً.

ومن المعروف أن القاضي أبا محرز أُشرك معه سنة 203هـ/818م في القضاء، أسد بن الفرات الذي كان هو الآخر ذا ميول عراقية ومدنية بل هناك من جعله معتزلياً إِلاَّ أن القاضي عياض يعتبره من المالكيَّة ويضعه في الطبقة الوسطى من طبقات المالكيَّة مِمَّن تفقهوا بمالك مباشرة(2)، ولعلَّه بهذا أوَّل مالكي يلي القضاء للأغالبة إِلاَّ أنَّ القاضي سحنون بن سعيد هو أوضح المالكيَّة وأخلصهم من كلّ شائبة وهو إمام مالكيَّة المغرب بلا منازع وكل من جاء من بعده تلميذ له وعنه تلقى علمه.

فالقاضيان أسد بن الفرات ذو الميول الحنفيَّة وسحنون بن سعيد المالكي الخالص هما اللذان طبعا القضاء في الدولة الأغلبية بالمذهبين الحنفي والمالكي وظل التنافس بين هذين المذهبين إلى سقوط الدولة الأغلبية.

(1) - من المعروف أنَّ أبا محرز حنفي المذهب يقول بجواز شرب النبيذ ومع ذلك فهو كما قال أبو العرب وصاحب العيون والحدائق «كان يقول بالاعتزال» انظر العيون والحدائق 3/ 374، الدباغ: معالم 2/ 36.

(2) - عياض: تراجم 52.

٤٤٤ / ٧٤٣