القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٤٠

ودائماً مع القاضي ابن طالب الذي نراه مثالاً لغيره من القضاة الذين يتوقفون عند حدود الله ولا يتجرؤون بغير علم ما دامت هذه الأحكام وهذا العلم محيطا لا يدركه إِلاَّ القليل من الناس وبالتالي وجبت الاستشارة والتوقف كلَّما دعت الضرورة إلى ذلك، فكان ابن طالب «إذا أشكل عليه أمر وقف عن تنفيذه ويقول: لئن يسألني الله عزَّ وجلَّ: لم وقفت؟ أيسر علي من أن يسألني لم جسرت؟»(1) وقد ذكرنا أنَّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان يقول «أقف سنة ولا أجسر ساعة»(2). ويظهر لي أنَّ القضاة في أغلبهم كانوا مثل ابن طالب أو ابن غانم الذي كان «إذا أشرف على إنفاذ حكم لأحد يصلِّي حزبه من الليل، فإذا جلس في آخر صلاته عرض من أراد أن يحكم له على الله عزَّ وجلَّ ويقول: «اللهم إنَّ فلاناً خاصم إليَّ فلاناً وادعى عليه بكذا وكذا … فلا يزال يعرض الخصوم على ربه عزَّ وجلَّ ويسأله التوفيق والتسديد حتَّى يطلع الفجر»(3).

إنَّ فعل إبن غانم هنا هو الورع المطلق والتحري المطلق والإخلاص لله في أحكامه والإخلاص للعباد في قضائه، فكان يستمد التوفيق من الله وكأنَّه كان يستخير الله ليحكم بما مالت إليه نفسه ومال إليه عقله وعلمه وهو مرتاح الدين والضمير.

إنَّ اجتهاد القاضي وقناعته كانت في كثير من الأحيان خير معين له في أحكامه عند غياب النصوص الشرعيَّة الواضحة كالقرآن والحديث، وإنَّ اجتهاد القضاة في المغرب الإِسلاَمِي عموماً في هذه الفترة من القرنين الثاني والثالث للهجرة (8 - 9م) يعتبر المصدر الأوَّل والمادة الفقهيَّة الأولى التي اعتمد عليها المؤلفون فيمابعد، « … كان القضاة باستمرار يرفدون الفقه والفقهاء بمعين لا ينضب من

(1) - المالكي: رياض1/ 477.

(2) - الثميمي: الورد البسام 23.

(3) - المالكي: رياض1/ 228.

٤٤٧ / ٧٤٣