الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٤٦رأى فريقين - ويقصد بهما مذهبي المالكيَّة والأحناف- أحسن اتفاقاً وأقل تعصباً منهم(1)، الأمر الذي لم يكن وارداً إطلاقاً في القرنين الثاني والثالث للهجرة إذ الصراع بينهما كان حاداً والتنافس من أجل منصب القضاء كان على أشده. وذكر المقدسي كراهية أهل السنَة في بلاد المغرب للشافعية والشافعي لأنَّه كان تلميذ مالك بن أنس واستقل برأيه ومذهبه وخالف أستاذه، والمغاربة يقولون «إِنَّمَا كانا بحرين أبو حنيفة لأهل المشرق ومالك لأهل المغرب أفنتركهما ونشتغل بالساقية»(2) ويقصدون بالساقية علم الشافعي - رضي الله عنه -.
ورغم ما يذكره المقدسي من تقارب بين المذهب المالكي والحنفي في القرن الرابع الهجري إِلاَّ أنَّه يُؤَكِّدُ الصراع القائم بينهما منذ زمان ليس بالقصير وصراع المالكيَّة بالذات لجميع المذاهب المتساكنة ببلاد المغرب والأندلس فَيقول على لسانهم «لا نعرف إِلاَّ كتاب الله وموطأ مالك فإن ظهروا على حنفي أو شافعي نفوه وإن عثروا على معتزلي أو شيعي ونحوهما ربَّما قتلوه»(3).
ويذكر هذا التشدد في القرن الخامس الهجري بالأندلس ابن حزم الظاهري (ت450هـ/1058م) بنوع من الألم والحسرة ويستنكره وربما اعتبر بعضه نوعاً من الشرك فيقول «وأما أهل بلادنا يعني بلاد الأندلس فليسوا مِمَّن يتعنى بطلب دليل على مسائلهم … فيعرضون كلام الله تعالى وكلام الرسول عليه السلام على قول صاحبهم وهو مخلوق مذنب ويخطئ ويصيب، فإن وافق قول الله تعالى وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذوا به وإن خالفاه تركوا قول الله تعالى جانباً وقوله عليه السلام
(1) - المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم. 236 كان يتحدث عن الأندلس بحاصة إِلاَّ أنَّنا نعتقد أنَّ ذلك كان عاماً في المغرب والأندلس كليهما لتشابه الإقليمين في كثير من أمورهما.
(2) - نفسه 236.
(3) - نفسه 236 لقد كان هذا في الأندلس وهو مايشير إلى حدة الصراع في بلاد المغرب وإن لم يصل إلى هذا الحد.