الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٤٧ظهرياً وثبتوا على قول صاحبهم، ولا نعلم في المعاصي ولا في الكبائر بعد الشرك المُجَرَّد أعظم من هذا … »(1).
إنَّ هذه الأجواء المذهبية المشحونة بالتعصب كان للقضاء فيها دورُه الفعال بل إنَّ استقرار المذاهب الإِسلاَمِيَّة هنا وهناك في العالم الإِسلامي إنَّما مرده إلى مؤسسة القضاء بالذات، فالقضاء هو الذي قرر المصير المذهبي لِكُلٍّ من بلاد العراق والشام(2) والمغرب والأندلس.
لقد ذكر الناصري عن ابن حزم الظاهري أنَّه قال «مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرئاسة والسلطان: مذهب أبي حنيفة فإنَّه لمَّا ولِّى قضاء القضاة أبو يوسف كانت القضاة من قِبله فكان لا يولي قضاء البلاد من أقصى المشرق إلى أقصى أعمال إفريقية إِلاَّ أصحابه والمنتمين إلى مذهبه. ومذهب مالك بن أنس عندنا (بالأندلس) فإنّ يحى بن يحي(3) كان مكينا عند السلطان مقبول القول في القضاة، فكان لا يلي قاض في أقطارنا إِلاَّ بمشورته واختياره ولا يشير إِلاَّ
(1) - الونشريسي: المعيار 6/ 356 وانظر كذلك ابن حزم: الإحكام في أصول الأحكام. دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط1، 1400هـ/1980م، 4/ 237.
(2) - سنتناول بشيء من التفصيل في المتن دور القضاء في انتشار المذهب المالكي بالمغرب والأندلس وانتشار المذهب الحنفي بالعراق والصراع الحنفي المالكي بإفريقية، وبالتالي بقي أن يذكر هنا في الهامش كيف انتشر المذهب الشافعي بالشام إذ يذكر ابن طولون أنَّ أبا زرعة محمَّد بن عثمان الثقفي مولاهم لمَّا تولىَّ قضاء دمشق بعد أن تولاه في مصر كان «يذهب إلى قول الشافعي ويوالي عليه وكان يهب لمن يحفظ «مختصر المزني» مائة دينار وهو الذي أدخل مذهب الشافعي دمشق وحكم به القضاة … وكان الغالب عليها مذهب الأوزاعي … » انظر قضاة دمشق ص22.
(3) * - يحي ين يحي الليثي مولاهم المصمودي الطنجي (ت234هـ/848م) أحد أقطاب العلم بالأندلس أخذ الفقه عن الإمام مالك - رضي الله عنه - وعن تلامذته من بعده وكان عبد الرحمن بن الحكم الأمير الأموي بالأندلس يبجله ويعظمه. انظر عياض: ترتيب المدارك 1/ 534 - 547