الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٤٨بأصحابه ومن كان على مذهبه والناس سراع إلى الدنيا»(1) فأقبلوا على مايرجون به بلوغ أغراضهم.
لمَّا توفي هذا الفقيه المالكي الأندلسي، الذي قرر المصير المذهبي للأندلس، عام 234هـ/848م، كان القاضي سحنون بن سعيد قد تربّع لتوّه على عرش القضاء في القيروان عاصمة إفريقية الأغلبية، وفي نفس تلك السنَة بالذات(2) بعد أن تماطل عاماً كاملاً ورفض أن يليَ القضاء، إِلاَّ أنَّه لمَّا تولاّه أخذه بقوَّة وتحمل مسؤوليته بِكُلِّ جدارة وأظهر للقضاء صولة لم تكن له من قبل بالمغرب ولن تكون له من بعده طيلة حكم الأغالبة.
إنَّ القاضي سحنون لم يكن شيئاً كبيراً قبل أن يتولى القضاء وكأنَّ القضاء هو الذي أمده بالقوة أو كأنَّ كلّ واحد منهما وجد ضالته في الآخر، فقوي سحنون بالقضاء كما قوى القضاء بسحنون واستطاعا معاً أن يقررا المصير المذهبي لإفريقية أوَّلاً ثمَّ للمغرب بعامة بعد ذلك، وهكذا عمل سحنون بن سعيد على ترسيخ المذهب المالكي بإفريقية(3) والمغرب كما رسخ يحي بن يحي نفس هذا المذهب
(1) - ابن سعيد المغربي: المغرب في حُلى المغرب 1/ 164 وانظر: الناصري: الاستقصا 1/ 139، النكدي: القضاء 14 - 15. ومن الملاحظ هنا أنَّ اليعقوبي يذكر في كتابه «مشاكلة الناس لزمانهم» «إنّ من المسلمين في كل عصر تبع للخليفة يسلكون سبيله ويذهبون مذاهبه ويعملون على قدر ما يرون منه ولا يخرجون عن أخلاقه وأفعاله وأقواله» وبديهي القول إنَّ القضاة ممثلون للخلفاء والأمراء وبالتالي تقليدهم من تقليد الخليفة ومشهورة العبارة «الناس على دين ملوكهم» انظر اليعقوبي ص9.
(2) - المالكي: رياض 1/ 345 وما بعدها. عياض: تراجم. 98. الدباغ: معالم 2/ 84 - 85
(3) - اختلف العلماء في دور سحنون في إثبات المذهب المالكي بإفريقية، ويدور الخلاف حول ما إذا كانت قوَّة سحنون في علمه أم في قضائه (سحنون العالم أم سحنون القاضي). وانظر نجم الدين الهنتاتي: دراسة حول المذهب المالكي بإفريقية منذ منتصف القرن 2هـ/8م إلى منتصف القرن 5هـ/11م تاريخ إعلان القطيعة عن الفاطميين، أطروحة التعمق في البحث، إشراف د. منيرة شابوتو رمادي، جامعة تونس الأولى، كُلِّيَّة العلوم الانسانية والاجتماعية، قسم التاريخ 1990 - 1991، ص302، 304.