الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٥١الحارث بن مسكين قاضي مصر الذي كان يحكم على مذهب أصحابه المدنيين، كما يقول الكندي «أمر … بإخراج أصحاب أبي حنيفة من المسجد وأصحاب الشافعي وأمر بنزع حصرهم … »(1).
هكذا نلاحظ أن المالكيَّة في الشمال الإفريقي من مصر إلى المغرب الأدنى كانت هي المتحكمة في زمام الأمور وهي الموجّهة للمذهبية تُقصي المذاهب المنافسة لها، سنية كانت أو غير سنية، علماً أنَّ مصطلح المذاهب السنية لم يتبلور بعد في هذه الفترة المبكرة وبالتالي كانت المنافسة على أشدها ويعبر الونشريسي عن هذا بقوله إنَّ «المالكيَّة تركزت في إفريقية لمَّا ولي سحنون والحارث القضاء وفرَّقاً حِلق جميع المخالفين ومنعا الفتوى بغير مذهب مالك ومن ثمَّ صار الحكام يمنعون الإفتاء بغير مذهب مالك ويؤدبون على ذلك»(2).
إنَّ سحنون بن سعيد، كما يؤكِّده الأستاذ المرحوم حسن حسني عبد الوهَّاب «يُعدُّ بحق المؤسس الأوَّل لمدرسة الفقه المالكي في إفريقية بل في المغرب بعامة … »(3) وأهل إفريقية والمغرب «مالكية خلَّص اعتنقوا المذهب المالكي وتعصبوا له وأخذوا ينظرون إليه وكأنَّه جزء من قوميتهم»(4). ولقد تفطَّن الدكتور محمود إسماعيل لظاهرة التعصُّب المذهبي لدى المالكيَّة فقال « … إنَّ آفة المالكيَّة في تعصبهم الشديد لمذهبهم، إذ أسرفوا في خلافهم ونزاعهم مع بقيَّة أهل السنَّة كالشافعية والأحناف، ناهيك عن موقفهم المتطرف من أهل المذاهب الأخرى كالخوارج والشيعة والمعتزلة»(5).
(1) - الكندي: قضاء مصر 142، ابن العماد الحنبلي: شذرات 2/ 220.
(2) - الونشريسي: المعيار 12/ 26.
(3) - حسن حسني عبد الوهَّاب: ورقات 3/ 49.
(4) - مقدِّمة كتاب أبي العربي: طبقات علماء إفريقية. 12.
(5) - محمود إسماعيل: مغربيات. 59 وانظر علي أحمد: القضاء في المغرب 32.