الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٥٢ومهما يكن من أمر فإنَّ المالكيَّة بالقضاء انتشرت وتربعت في قلوب المغاربة الذين ارتووا حبها بعد ذلك، ومهما كان تعصبها فإنَّها تركت المجال لمذهبين ظلا متساكنين معها هما مذهب الإباضيَّة ومذهب الحنفيَّة كما سلف الذكر.
ولا بأس من الرجوع قليلا إلى الوراء وبالضبط في عهد الولاة لنقول إنَّه من المعلوم أنَّ هذا العهد لم يكن يعرف الصراع المذهبي، فالمذاهب الفاعلة في التاريخ الإِسلاَمِي(1) لا تزال في طور النشوء وانتماء الخلافة الإِسلاَمِيَّة إلى مذهب بعينه سيجد طريقه في الدولة العباسية وبخاصة ابتداء من نهاية القرن الثاني الهجري، أي أنَّ قضاة عهد الولاة لم يكونوا ينتمون إلى مذهب بعينه(2) وإن ذكر أنَّ قاضي القضاة أبا يوسف (ت182هـ/798م) كان يعين القضاة من مذهبه «من أقصى المشرق إلى أقصى عمل إفريقية»(3) كما أسلفنا، ومع ذلك لا تروي المصادر أنَّه عين قاضياً لإفريقية ما عدا عبد الله بن عمر بن غانم (171 - 190هـ/788 - 789م)
(1) - نقصد بالمذاهب الفاعلة في التاريخ الإِسلاَمِي المذاهب الأربعة التي تبنتها أغلب الدول القائمة في العالم الإِسلاَمِي في العصور الوسطى والتي أصبحت الطرف النقيض لمذاهب أخرى كانت قد تأسست قبل ذلك بمدة ليست بالقصيرة مثل الشيعة والخوارج والمعتزلة التي ظلت غالباً في المعارضة.
(2) - من التعميمات العديدة التي وقع فيها الدكتور علي أحمد قوله إنَّ بداية القضاء على المذهب المالكي في المغرب والأندلس كان في الثلث الأخير من القرن الثاني الهجري الثامن الميلادي لأَنَّ الأمير الأموي هشام بن عبد الرحمن أمر الناس بالتزامهم به وصيّر القضاء والفتيا عليه. انظر كتابه القضاء في المغرب والأندلس ص31 - 32 والحقيقة أنَّه من نافلة القول هنا أنَّ المغرب لم يكن تابعاً للأندلس في تلك الفترة وإفريقية كانت تبعيتها للعباسيين بالذات ألد أعداء أمويي الأندلس والغريب أنَّ الدكتور اعتمد على نص للقاضي عياض في مداركه كان فيه عياض دقيقاً جداً بحيث تحدث عن كَيفِيَّة انتشار المالكيَّة في إفريقة والمغرب وأردفه بنصّ آخر عن كَيفِيَّة انتشار المالكيَّة في الأندلس ولم يخلط ولم يُعمم تعميم الدكتور علي أحمد. انظر عياض: ترتيب المدارك 1/ 54 - 55.
(3) - الناصري: الاستقصا، 1/ 139، النكدي: القضاء 14 - 15.