القضاء في المغرب الإسلامي من تمام الفتح حتى قيام الخلافة الفاطمية (96-296هـ) إبراهيم بن بكير بحاز

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٥٥

المالكيَّة التي تصر على الأثر وتعتمد النقل أكثر من العقل ومن هنا كانت محنتهم وكان صراعهم المذهبي ليس مع الاعتزال فقط وإنَّما أيضًا مع الحنفية المتساهلة.

إنَّ المذهب المعتزلي سيعرف أحجاما غير أحجامه الأولى وسيتمكن من السلطة ابتداءً من أواخر عهد الخليفة المأمون (198 - 218هـ/813 - 833م) الذي تبنى المذهب واتخذه مذهباً رسمياً للخلافة العباسية(1) وظل ذلك حتَّى أوقف نفوذه الخليفة المتوكل بالله (232 - 247هـ/846 - 861م) وذلك عام 234هـ/848م(2).

وممَّا يُؤَكِّدُ قوَّة المعتزلة في الدولة العباسية والإمارات التابعة لها خلال تلك الفترة (218 - 234هـ/313 - 848م) ويبرز دور القضاء كوسيلة لنشر المذهبية ودورَه في الصراع المذهبي، ما ذكره اليعقوبي عن الخليفة الواثق والمعتصم والمأمون الذين يعرفون بالخلفاء المعتزلة وما وقع في عهدهم فقال إنَّ «إنَّ هارون الواثق بن المعتصم … كان مذهبه في الدين … القول بالعدل على مذهب أبيه المعتصم وعمه المأمون وأظهر ذلك وامتحن عليه وعاتب من خالفه وحبس من أبدى عناداً فيه وكتب إلى القضاة في الآفاق أن يمتحنوا العدول فلا يقبلوا شهادة من لم يقل بقوله فغلب هذا على الناس، وتقربوا به إلى ابن أبي داود(3) وإلى القضاة … »(4).

(1) - عن الأسباب والملابسات التي أدت بالمأمون إلى إتخاذ الاعتزال مذهبه ومذهب الخلافة العباسية ابتداء من عام 212هـ/827م ثمَّ 218هـ/833 انظر ابن الأثير: الكامل 5/ 216، 222 ومابعدها، السيوطي: تاريخ 308 ومابعدها. فاروق عمر فوزي: العباسيون الأوائل، 3/ 41، 42، 163 وانظر كتاب الخليفة المأمون إلى كلّ أعمال الدولة العباسية فيما يتعلَّق بمحنة خلق القرآن. الكندي: قضاء مصر 122 - 123

(2) - نفس المصادر والمراجع أعلاه.

(3) * - أحمد بن أبي داود (240هـ/854م) قاضي القضاة على عهد المعتصم والواثق هو الذي امتحن الإمام أحمد بن حنبل وألزمه بالقول بخلق القرآن انظر ترجمة مطولة في ابن خلكان: وفيات 1/ 81 ومابعدها.

(4) - اليعقوبي: مشاكلة الناس لزمانهم 32 وانظر ص9.

٤٦٢ / ٧٤٣