الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٥٦إنَّ العصر الذهبي للمعتزلة في العراق وفي أغلب أقاليم الدولة الإِسلاَمِيَّة ومنها إفرقية الأغلبية والمغرب بأسره(1)، عرف تطورات مذهبية كبيرة بسبب ما أراده المعتزلة بواسطة السلطة السياسية والقضائية من فرضه على الناس علمائهم وعامتهم فافتتن الناس وعذب من عذب وامتحن من امتحن(2) ونال المغرب الإِسلاَمِي قسطاً من الصراع المذهبي: المعتزلة من جهة كطرف ومذاهب المالكية والإباضيَّة كطرف آخر كلّ مذهب على حدة في دولته وفي إقليمه بإفريقية أو المغرب الأوسط أو الأقصى.
أمَّا في إفريقية فإنَّ القاضي عبد الله بن أبي الجواد المعتزلي (221 - 232هـ) يبدو أنَّه عين قاضياً لأنَّه معتزلي في فترة كانت فيها المعتزلة هي التي تسيطر على مجريات الأمور في الخلافة الإِسلاَمِيَّة ومن هنا كان امتحانه للناس تطبيقاً للأوامر الصارمة الصادرة عن دار الخلافة وعن قاضي القضاة ببغداد ولعلَّه أسرف في امتحانه ذاك حتَّى وُصف بأنَّه فرعون هذه الأمَّة وصفه بذلك خليفته من بعده سحنون بن سعيد لمَّا قال للأمير محمَّد بن
(1) - عن الاعتزال والمعتزلة ببلاد المغرب يذكر القاضي عبد الجبار المعتزلي أنَّ واصل بن عطاء (ت171هـ/787م) أرسل عبد الله بن الحارث وهو أحد رجالاته ومعه كتبه إلى المغرب ثمَّ غلبت المعتزلة في تلك المدن ويسمون أنفسهم واصلية. في حين يذكر البلخي أنَّ طنجة وما والاها لمَّا استقبلت إدريس بن عبد الله كانت على مذهب الاعتزال وكان رئيسها إسحاق بن محمد بن عبد الحميد. انظر البلخي وعبد الجبار: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة. تح. فؤاد سيِّد: الدار التونسية للنشر. تونس 1393/ 1974، ص66، 110، هامش 279، ص119، 227، 237.وانظر كذلك عن المعتزلة في بلاد المغرب ابن الصغير: أخبار 82، البكري: المغرب، 67، الدرجيني: طبقات 1/ 57.
(2) - اصطلح على تسمية مسألة خلق القرآن «المحنة» لمَا أصاب فيها الخلق من محن وامتحانات على يد المعتزلة التي كانت تقول بِأَنَّ القرءان مخلوق انطلاقا من مبدإ نفي صفات المعاني عن الله تعالى ولا يمكن اعتباره قديماً وغير مخلوق لأَنَّ ذلك يؤدِّي إلى مشاركة القرآن بصفة هي من صفات الله وهي القدم والأزليَّة. انظر فاروق عمر: المرجع السابق 41.