الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٥٧الأغلب «أيها الأمير أحسن الله جزاءك فقد عزلت فرعون هذه الأمَّة وجبّارها وظالمها»(1).
وممَّا يروى عن هذا القاضي المعتزلي وملاحقته لسحنون بن سعيد المالكي ما ذكره القاضي عياض وغيره من أنَّ الأمير الأغلبي(2) لمَّا أخذ الناس بالمحنة بالقرآن توجه سحنون إلى عبد الرحيم الزاهد بقصر زيَّاد فارًّا فوجه في طلبه فجاءه «فجمع له قواده وقاضيه ابن أبي الجواد وغيرهم وسأله عن القرآن فقال سحنون، أمَّا شيء أبتدئه من نفسي فلا، ولكني سمعت من تعلمت منه وأخذت عنه كلّهم يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق فقال ابن أبي الجواد: كفر، فاقتله ودمه في عنقي … »(3).
إنَّ مثل هذا الحكم القاسي الذي يجعل من لا يؤمن بِأَنَّ القرآن مخلوق كافراً يجوز قتله، لا شكَّ أنَّه حكم جائر وتنطُّع مذهبي مقيت، والغريب أنَّه يصدر مِمَّن ينتمي إلى الاعتزال(4)، المذهب الموصوف معتنقوه بأهل العقل، وهل العقل
(1) - ابن عذاري: البيان 1/ 106 انظر عن امتحانه للناس: أبو العرب: المحن 462 - 464.
(2) - الأمير أحمد بن الأغلب الذي قام سنة 231هـ على أخيه أبي العبَّاس محمَّد الأوَّل واغتصب منه الإمارة ثمَّ تغلَّب عيله الأمير محمَّد الأوَّل سنة 232هـ ونفاه إلى العراق حيث مات. انظر د. محمَّد الطالبي في فهرس الأعلام الذي وضعه لكتاب تراجم أغلبية. ص44. ويبدو أنَّ هذا الأمير كان معتزلي المذهب.
(3) - عياض: تراجم 116 - 117 ولقد نجا سحنون من عقوبة صارمة وهي إلزامه بالإقامة الجبرية في منزله ومنعه من التدريس وأخذ ثياب من يدخل عليه مِمَّا اعتبرته هيئة المحكمة: قتل الحياة وكل ذلك بتحريض من الوزير الأغلبي علي بن حميد. انظر إضافة الى عياض. زغلول: تاريخ 2/ 95. باجية صالح: الإباضيَّة بالجريد في العصور الإِسلاَمِيَّة الأولى، دار بوسلامة للطباعة والتوزيع، تونس، ط1، 1396هـ/1976م، ص103.
(4) - يجب حين ننتكلم عن سياسة المحنة ألاَّ نعممها على كلّ المعتزلة وألاَّ نعتبر المعتزلة كلّهم مسؤولين عن سياسة إجبار الناس على قبول القول بِأَنَّ القرآن مخلوق، فقد كان هناك فريق من المعتزلة يرى أنَّ الدولة يجب أن لا تتدخَّل في أذواق الناس وأفكارهم ومنهم يحي بن أكثم الذي عزل عن القضاء سنة 217هـ/832م بسبب هذا الأفق الواسع عنده وتولىَّ مكانه أحمد بن أبي داود الذي حسّن للخليفة مذهب المعتزلة وحضه لجعله المذهب الرسمي للدولة سنة 218هـ/833م. انظر فاروق عمر فوزي: العباسيون الأوائل 3/ 156.