الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٥٩الانتقام من ابن أبي الجواد المعزول ومن المعتزلة بخاصة وأنَّ سحنون قد سبق أَن دعى الله قائلاً «اللهم لاتمتني حتَّى أراه (أي ابن أبي الجواد) بين يدي عدل يحكم فيه بالحقِّ»(1) فكان هو نفسه ذلك القاضي الذي امتحنه حتَّى قال الناس لقد أجيبت دعوته(2).
وانتقم لنفسه ولمذهبه حتَّى أدَّى به الأمر إلى قتله، وذكر أنَّه لمَّا مات ابن أبي الجواد من ضربه في السجن توسوس سحنون وحُفظ عنه أنَّه كان يردد «ما أنا قتلته، الحقّ قتله»(3).
إنَّ سحنون بن سعيد الذي جاء للقضاء بعد صولة المعتزلة وبعد أن دارت عليهم الدائرة في المشرق والمغرب على عهد المتوكل، جاء بقوَّة المنتصر بالحقِّ على الباطل والجور اللذين مورسا على عهد سلفه ابن أبي الجواد وهكذا أبرز مذهب أهل المدينة وعين قضاة الأقاليم على مذهبه فاحتدم الصراع واتضح ليس مع المعتزلة الذين أهينوا وإنَّما مع الأحناف الذين بدأ مذهبهم يضعف ويخفت ليترك مكانه للمالكية.
لقد عمل سحنون «سراج القيروان» كما وصفه محققا كتاب طبقات أبي العرب، على تعليم «أهل المغرب المذهب المالكي وتلقينهم «المدونة» فحارب أهل البدع والضلالات وأخفت كلّ صوت مارق وكل نزعة عقليَّة ومنع دروس الإباضيَّة والصفرية والمعتزلة»(4) كما سبق أنَّ بيّنا، وركَّز جهوده على تثبيت أركان المذهب المالكي بإفريقية وغرس جذوره عميقة في وجدان أهل المغرب ولقد تحقق له ما طمح من أجله واستطاع أن يجعل إفريقية مالكيَّة المذهب بلا منازع وعمل
(1) - نفسه 98 - 99.
(2) - نفسه 98 - 99.
(3) - عياض: تراجم 111.
(4) - مقدِّمة كتاب أبي العرب: طبقات، 14.