الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٤٦٠تلامذته من بعده بإخلاص على نشر المالكيَّة في ربوع بلاد المغرب وتوغَّلوا بها بعيداً عبر الصحراء إلى إفريقيا جنوب الصحراء التي تدين في أغلبها بالمذهب المالكي بعد أن كانت على المذهب الإباضي قبل ذلك(1).
وممَّا يُؤَكِّدُ حرص سحنون بن سعيد في توليه قضاء الأقاليم للمالكية فقط دون سواهم مارواه الخشني (ت361هـ) من أنَّه لم يولّ سليمان بن عمران (خروفة)(2) القضاء في مدينة باجة «حتَّى امتحنه في مذهبه فأظهر له سليمان أنَّ مذهبه مذهب المدنيين وأنَّه تارك لمذهب العراقيين وأقام سليمان حينا من الدهر قاضيا بباجة ما يقضي بقضية حتَّى يشاور سحنوناً»(3).
لقد تربع سحنون على عرش القضاء بإفريقية ستَّة أعوام نشر فيها مذهب مالك وصار القضاء في أصحابه(4) وبدا وكأن المالكيَّة تسيطر على الأوضاع في إفريقية، بيدها زمام الأمور وجميع السلطات فضلاً عن السلطة القضائية، وهنا تدخلت سلطة الأمير الأغلبي أبي العبَّاس محمَّد بن الأغلب ليضع حداً لهذه السيطرة فكان تعيين الطبني قاضياً ثانياً إلى جانب سحنون بالقيروان مضادة له ولمَّا رأى حال الطبني وفهم المراد لزم داره مدَّة وترك الجامع وكان الطبني يحكم
(1) - إبراهيم بحاز: الدولة الرستمية. 387 ومابعدها.
(2) - عياض: تراجم 99. يقول كان أكثر الفقهاء في منتصف القرن الثاني الهجري على رأي الكوفيين وكان سليمان بن عمران يرى رأيهم وانظر صفحة 102. وانظر الدباغ: معالم 2/ 152.
(3) - الخشني: طبقات. 180. هذه الرواية تدحض رواية صاحب معالم الإيمان المتأخرة جداً والتي رواها من سماعه هو ويقول: إنَّه سمع أنَّ أهل باجة اشتكوا به إلى سحنون فقال لهم ما تقولون فيه؟ فأخبروه بأنَّه يحكم عليهم بمذهب أبي حنيفة فقال لهم «ما قدمته عليكم إِلاَّ وأنا أعلم أنَّه يحكم بمذهبه فانصرفوا» انظر الدباغ 2/ 152 والجدير بالذكر أنَّ قضاة الأقاليم غالباً ما يكونون من مذهب القاضي في القيروان إِلاَّ أنَّ أغلبهم كان على المذهب المالكي لعلَّ ذلك راجع إلى أنَّ أوائلهم كانوا من تعيين القاضي سحنون المالكي كما أنَّ أغلب قضاة صقلية كانوا أيضًا مالكيَّة من تلاميذ سحنون أو تلامذته من بعده. انظر نوال تركي: التنظيمات 209.
(4) - علي أحمد: القضاء 32.